الأحد، 15 أبريل 2012

شهادة د. فضل مصطفى النقيب :زمـن الحكيـم (أيـام جـورج حبـش) ـ 1


زمـن الحكيـم (أيـام جـورج حبـش) ـ 1
د. فضل مصطفى النقيب

يقول الشاعر ت.س. إليوت: الشعراء السيئون يقترضون من الآخرين، أما الشعراء الجيدون فإنهم يسرقون الآخرين
لم يكن جورج حبش شاعرا، بل عاش حياته كلها وهو يناضل لاسترداد ما سُرق من أرضه وشعبه ووطنه. وقد تميز ذلك النضال في أن صاحبه تمكن، وعلى امتداد ستة عقود، من الثبات على الأهداف التي انخرط في النضال من أجل تحقيقها، بينما تراجع كثير من القادة الفلسطينيين الآخرين عنها. ولقد تمكن من ذلك لأنه فهم معنى النضال بطريقة واحدة هي أنه الوسيلة من أجل الحصول على «القوة» لدعم «الحق»، ولم يفهمه على أنه الوسيلة لاستخدام «الحق» من أجل الحصول على «القوة». ولذلك كان من القادة القليلين الذين تصرفوا على أساس ان الوطن هو «فلسطين» لا «القضية الفلسطينية»، وظل قادرا على ان يفهم العلاقة الوثيقة التي تربط أي حدث بفلسطين: أي كيف تكونت بدايات ذلك الحدث في «الماضي الفلسطيني»، وكيف تطورت حتى وصلت الى «الحاضر الفلسطيني»، وما هي احتمالات صيرورة الحدث في «المستقبل الفلسطيني». وبسبب هذا الفهم ظل قادراً على التعامل مع الواقع بكل أبعاده المرئية والخفية، وعلى تجنب الوقوع في الأوهام التي تخلقها حوادث عارضة
في البداية تشكل وعي جورج حبش بحجم النكبة، ففي الثالثة والعشرين من عمره وجد نفسه في الجامعة الاميركية في بيروت مطرودا من بلده، ومعظم شعبه مشرداً. وكان طبيعيا جدا ان يشعر بالدفء الغامر وهو يجد طلابا عربا ليسوا فلسطينيين، كما كان من الطبيعي ان يتحول ذلك الشعور الى تأمل وتفكير وهو يستمع الى أستاذ مرموق هو قسطنطين زريق يتحدث عن معنى النكبة، وأنها نكبة كل العرب لا فلسطين وحدها
نتيجة هذا الشعور الدافئ وذلك التأمل والتفكير تكرست في وعي جورج حبش العلاقة الجدلية بين نكبة فلسطين وواقع التجزئة في الوطن العربي. فهذه النكبة وقيام اسرائيل حدثا بسبب الضعف الذي كرسته التجزئة في الوطن العربي، كما ان اسرائيل عملت بدورها على الابقاء على الضعف العربي عن طريق الحفاظ على التجزئة ومنع الوحدة
وهكذا، ولدت حركة القوميين العرب كردة فعل مباشرة على النكبة لتلبي حاجتين غريزيتين شعر بهما كل رجل فلسطيني وامرأة فلسطينية بعد نكبة .1948 فقد كانت هناك حاجة ملحة إلى الانتماء إلى كيان أكبر من المخيم واللجوء والتشرد. ففي حركة القوميين العرب كان الانتماء يتجه الى الأمة العربية ذات التاريخ المجيد، والتي كان لها دور أساسي في تاريخ الحضارة الانسانية
علاوة على ذلك، كانت هناك حاجة ملحة الى اكتشاف طريق العودة الى فلسطين وتحديد أساليب النضال القادرة على تمهيد ذلك الطريق والسير فيه بسرعة. ففي حركة القوميين العرب كان طريق العودة يتحدد في التزام النضال الهادف الى بناء المجتمع العربي الجديد على أسس نهضوية متحررة من أسباب التأخر والضعف كلها، كي يكون قادراً على تحطيم التجزئة التي فرضها الاستعمار، وعلى إقامة دولة الوحدة وجيشها القادر على تحرير فلسطين. وتميزت الحركة بصفتين مهمتين كان لهما تأثير كبير في مسيرتها السياسية: الأولى، أنها لم تتبن «القومية» كأيديولوجيا وإنما كانتماء نابع من التاريخ والجغرافيا والثقافة، وكان ذلك واضحاً جداً في تأثرها بأفكار قسطنطين زريق وساطع الحصري. أما الثانية، فالتزامها الأسلوب الثوري لا أسلوب التطور بالتدريج في العمل السياسي، ولذلك كانت تنمو في أجواء مهيأة لتكريس مفهوم الثورة على الأنظمة السياسية في البلاد العربية، واستبدالها بأنظمة مغايرة في التوجه والممارسة، وقادرة على مقاومة الاستعمار وتحقيق الوحدة والتصدي للمعركة التاريخية مع إسرائيل
لقد شكلت هاتان الصفتان السبب الرئيسي الذي جعل حركة القوميين العرب، بعد قيام ثورة 23 تموز/ يوليو ,1952 من أشد المتحمسين والمؤيدين لنهج عبد الناصر الثوري، ومن أوائل الداعين إلى التماهي مع التيار الناصري والانخراط في صفوفه. فقد كان الالتزام الناصري بالقومية العربية مبنياً أيضاً التاريخ والجغرافيا والثقافة لا على الفكر الأيديولوجي، وكان التزام التيار الناصري الأسلوب الثوري ألهب عاطفة الجماهير العربية وخيالها بشكل غير مسبوق
كانت حركة القوميين العرب حركة حقيقية، متطورة، حية، وككل الكائنات الحية كان لها زمن للحياة وزمن للموت
عاشت الحركة وناضلت طوال خمسينيات وستينيات القرن الماضي من أجل تحطيم التجزئة وإقامة دولة الوحدة، وعندما توقفت معارك النضال تلك بتأثير هزيمة 1967 توقفت الحركة عن التنفس والنمو والحياة. وبذلك تجنبت حركة القوميين العرب مصير بعض الحركات السياسية التي تأسست قبلها او بعدها، ثم انتهت بعد عشرات السنين الى كائنات غريبة عجيبة لا هي حية ولا هي ميتة
في أعقاب هذه الهزيمة، احتل موضوعا الانتماء وطريق العودة مكانا بارزا في تفكير الحركة. وإذا كانت فداحة الهزيمة العسكرية للجيوش العربية كرست على الفور تغييرا جذريا في مفهوم «طريق العودة» الذي تسبب بإسقاط الاعتماد على دولة الوحدة العربية القادرة على تعبئة الجماهير العربية وإعداد جيش قادر على خوض معركة التحرير، واستبداله بمفهوم الاعتماد على الشعب الفلسطيني في خوض معركة تحرير وطنه بأسلوب حرب التحرير الشعبية، فإن الاجماع على تبني ذلك الأسلوب لم يصاحبه إجماع في موضوع الانتماء. فقد أفرزت الهزيمة في هذا المجال تيارين جديدين في صفوف الشعب الفلسطيني
التيار الأول رأى ان الهزيمة حدثت تحت راية «الانتماء القومي» الذي جعل الشعب الفلسطيني يغيب عن ساحة المعركة، ولذلك فان الرد الطبيعي على الهزيمة يبدأ عندما يتسلم الشعب الفلسطيني زمام قضيته بيده ويحررها من «الوصاية العربية» ويشرع في بناء مشروع وطني فلسطيني يعتمد على الدعم العربي، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بالقدرة على القرار المستقل
أما التيار الثاني فقد رأى ان الهزيمة أثبتت ان ليس صحيحا ان طبقات الأمة العربية كلها لديها مصلحة واحدة في الصراع ضد اسرائيل وفي خوض معركة تحرير فلسطين، إذ ان هناك انظمة تمثل مصالح فئات وطبقات عربية مرتبطة بالامبريالية الاميركية المتحالفة عضويا مع اسرائيل. ولهذا فإن الصراع ضد اسرائيل هو صراع ضد الأنظمة الرجعية العربية، والطبقات البورجوازية العربية، أي ان أصحاب المصلحة الحقيقية في خوض ذلك الصراع والاستمرار فيه هم جماهير العمال والفلاحين المتضررة من تحالف الامبريالية والرجعية واسرائيل
كان التركيز في البداية على «طريق العودة» فقط، ولذلك ولدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كتجمع جبهوي لبضعة تنظيمات فلسطينية مقاتلة وملتزمة أسلوب الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية. لكن، بعد أعوام قليلة برزت خلالها انقسامات وصراعات فكرية وسياسية كثيرة احتل موضوع «الانتماء» فيها مكانا بارزا، حُسم الأمر واتجهت الجبهة الى ان تصبح حزبا ثوريا مقاتلا متسلحا بالنظرية الماركسية ـ اللينينية
وكما كان لجورج حبش دور رئيسي في تأسيس حركة القوميين العرب بعد نكبة ,1948 كان له ايضا الدور نفسه في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد هزيمة .1967
حمل التوجه الجديد في الساحة الفلسطينية، بعد تلك الهزيمة، إمكانات ايجابية كثيرة وأخرى سلبية عديدة، ولا يوجد عاقل لا يعترف الآن، وبعد أكثر من اربعين عاما، بأن المحصلة كانت على العموم سلبية على الرغم من التضحيات الهائلة التي قدمها كل من الشعبين الفلسطيني والعربي في لبنان ومصر وسورية. وفي هذا المجال يبرز دور جورج حبش في أنه كان نموذجا من القادة القليلين الذين اتسمت قيادتهم باستمرار النضال من أجل تعزيز العوامل الايجابية ومحاربة العوامل السلبية. ومن الممكن تحديد دوره الايجابي عبر عرض سريع للتوجهات الثلاثة التي تكرست نتيجة هزيمة .1967
كانت حركة «فتح» من أوائل مَن طرح فكرة عدم جدوى خوض الصراع مع اسرائيل بأسلوب حرب الجيوش النظامية، وان من الضروري التزام حرب التحرير الشعبية. وكان العامل الايجابي في هذا الطرح هو أنه يتضمن قراءة واقعية لميزان القوى بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه، كان مبنيا على تناقض صارخ تمثل في ان «فتح» طرحت مقولة «عدم التدخل في الشؤون العربية» في الوقت نفسه الذي بدأت بتكوين سلطة فلسطينية مقاتلة على الأراضي العربية، الأمر الذي كان لا بد من ان يقود الى الاصطدام بسلطة الأنظمة العربية المعنية، وهذا ما حدث فعلا في الحروب الأهلية التي اندلعت في الأردن ولبنان. وفي هذا المجال يمكن تسجيل نقطتين مهمتين: الأولى، هي أنه بينما ارتكبت الفصائل الفلسطينية جميعها، بما فيها الجبهة الشعبية، أخطاء وتجاوزات وحماقات كثيرة في تلك الحروب، الا انه من الممكن القول ان نصيب الجبهة الشعبية من تلك الاخفاقات كان الأقل. أما النقطة الثانية فهي ان التحالفات التي عقدتها الجبهة الشعبية خلال تلك الحروب كانت خاضعة بصورة صارمة لتوجه الجبهة الأساسي ضد قوى الامبريالية الأميركية والرجعية العربية. وهذا لم يكن الحال بالنسبة الى بقية الفصائل الفلسطينية
في هاتين النقطتين كان لقيادة جورج حبش دور رئيسي في حسم خيارات الجبهة وعدم الانجرار وراء الممارسات الخطأ التي شاعت في المشهد الفلسطيني
ان موضوع التوجه نحو إعطاء الشعب الفلسطيني الدور المحوري في تحرير أرضه، واعتبار ان الدور العربي لا يتخطى دور الدعم والمساندة، انطوى في البداية على عوامل ايجابية كثيرة تتمحور حول تعريف العالم بالقضية الفلسطينية كقضية تخص شعبا محروما من مزاولة حقه في تقرير المصير، وأنها ليست مجرد قضية لاجئين. وقد حقق النضال الفلسطيني في هذا المجال انجازات مهمة، وخصوصا بعد اعتراف الجامعة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وكذلك اعتراف الأمم المتحدة بها ومنحها صفة مراقب. وعلى العموم، نجحت منظمة التحرير في تكريس مكانتها في العالم كحركة تمثل شعبا يخوض معركة التحرر الوطني
لكن في الوقت نفسه، كانت هناك ممارسات من جانب قيادة «فتح» التي احتكرت قيادة المنظمة طوال الوقت، وأدت الى فك ارتباط القضية الفلسطينية بالقضية القومية، والى حصول تلك القيادة على حرية اتخاذ القرارات وتقديم التنازلات، وهو ما قاد أخيرا الى اتفاق أوسلو والاعتراف باسرائيل من دون ان تعترف هذه الاخيرة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والى الكيان المشوه الذي نجم عن ذلك الاتفاق، والكوارث الداخلية والخارجية التي عصفت، وما زالت، والتي لا نرى حاجة هنا الى الدخول في تفصيلاتها. وقد تصدت الجبهة الشعبية دائما لتلك الممارسات، وكان جورج حبش خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، من أشد المعارضين لنهج القيادة غير المسؤول في منظمة التحرير، ومن أشد الداعين الى اعادة بناء أجهزة المنظمة على أسس ديموقراطية سليمة تحررها من قبضة القيادة الفردية، وتحرر مؤسساتها وأجهزتها من استشراء داء الفساد والفوضى واللامبالاة
لكن الجبهة الشعبية لم تكن في وضع يسمح لها باحداث التغيير المطلوب في الساحة الفلسطينية، لأن حجمها كان صغيرا ونفوذها بين الناس أقل كثيرا من نفوذ «فتح»، الأمر الذي سبب الانشقاقات التي حدثت فيها وأدت الى انفصال الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، ثم مجموعة أحمد زعرور، ثم الجبهة الديموقراطية. بالاضافة الى ذلك، كان تبني الايديولوجيا الماركسية اللينينية بشكل صارخ ومتشنج هو الذي أدى، أساسا، الى إضعافها، ومنعها من ان تتطور لتكون ممثلة للمجرى الرئيسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، وكرس وجودها كفصيل جانبي متطرف
ان التوجه الماركسي الذي سارت فيه الجبهة الشعبية بعد هزيمة ,1967 والمبني على أساس أن الهزيمة حدثت بسبب تسلم الطبقة البورجوازية الصغيرة قيادة حركة التحرر العربي، شكّل في جوهره قراءة مغلوطة للواقع العربي في تلك الفترة. لقد كان من أسباب عدم قدرة حركة التحرر العربية على ان تنجز مهمات التحرر الوطني غياب الممارسة الديموقراطية في صفوف انظمتها وأحزابها، وليس صحيحا ان هناك طبقات مؤهلة للممارسة الديموقراطية وأخرى غير مؤهلة
وفي هذا المجال، يبدو من الانصاف القول ان تحول الجبهة الشعبية في الاتجاه الايديولوجي المتشنج ما كان ليتم على الشكل الذي تم به من دون تبني جورج حبش ذلك الاتجاه ودعمه له. وفي الوقت نفسه. فإن دواعي الانصاف تقتضي القول ان حبش قام، بعد ذلك، بدور محوري في ترشيد ذلك الاتجاه، وتحريره من الجمود الايديولوجي، وتطويره ليتم استخدامه كمنهج جدلي لدراسة الواقع بأسلوب منفتح وخلاق(1)، وهذا يعود الى صفتين اتصف بهما طوال حياته. الصفة الأولى انه لم يكن من الناس الذين يرتاحون الى النظرة الأيديولوجية الضيقة، فهو في طبعه وثقافته يمتلك حس التلميذ القادر دائماً على الانفتاح على المعطيات الجديدة ومراجعة الأفكار القديمة. أما الصفة الثانية فهي انه كان يصوغ آراءه ومعتقداته، استنادا الى الدروس التي يستخلصها من الأحداث، لا من الكتب والنظريات الفكرية، فأحاديثه كلها التي أدلى بها تدل بوضوح على ان تطوره الفكري تم بتأثير الانفصال (1961)، والهزيمة (1967)، وحرب رمضان (1973)، والانتفاضة الأولى (1987) واتفاق أوسلو (1993). ومن المهم ان ندرك ان قدرة جورج حبش على استخلاص الدروس والعبر السليمة من تلك الأحداث تعود الى أنه، طوال تلك السنوات، لم يكن يوجد في أي موقع فيه مصالح ذاتية تتعارض مع استخلاص الدروس الموضوعية من الأحداث. ومما لا شك فيه ان ذلك التطور ساهم في تصحيح نظرة الجبهة الى معضلة حركة التحرر العربي، وفي فهم الدور المركزي للنضال من أجل الديموقراطية، ففي أحد أحاديثه لخص جورج حبش تلك النظرة بقوله: «لا يمكن تعبئة الجماهير الا من خلال الديموقراطية... بل ان قدرة الجماهير على القيام بدورها في التقدم والدفاع عن أهدافها ومصالحها، مرتبطة بحريتها وتفجير كطاقاتها وابداعاتها؛ وهذا غير ممكن من دون حياة وقيم ديموقراطية. فالديموقراطية والحرية هما الشرط للسير نحو الوحدة والتطور والتنمية واستثمار إمكانات الأمة في مواجهة اعدائها القوميين، وليس العكس». وفي مكان آخر يقول: «لا يجوز ان يكون هناك اي شيء على حساب الديموقراطية. ولا يمكن للشعب ان يحقق أهدافه الكبرى الا من خلال الحياة الديموقراطية»(2). 
ومما لا شك فيه ان الجبهة الشعبية سارت خطوات مهمة على طريق بناء اجهزتها بطريقة ديموقراطية، فهي تعقد دائما مؤتمرات دورية، وتنتخب هيئاتها من القاعدة الى القمة، كما تمارس عملية النقد الذاتي لسياستها باستمرار. ولقد كان من نتائج هذه الممارسة الديموقراطية تعاقب ثلاثة أمناء عامين على قيادة الجبهة. ومن المهم ان نلاحظ ان حبش لم يتنحَّ عن قيادة الجبهة رغبة في التقاعد، بل انه ترك المهمات القيادية المباشرة لانه ادرك ان عليه القيام بمهمات اخرى. وقد حدد تلك المهمات عند بلوغه السبعين بقوله
«اولا، اريد ان اسجل تجربتي، اي ان اكتب مذكراتي وان اتوقف خاصة امام الاخطاء
ثانيا، اريد انشاء مركز دراسات، عنوانه: لماذا هزمنا؟»(3
وقد أسس فعلاً، بعد ذلك بأعوام، «مركز الغد العربي للدراسات» الذي تحددت مهمته في البحث في القضايا الاستراتيجية العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، وفي تقديم أبحاث جادة ومعمقة من وجهات نظر متعددة بأفق قومي عربي جديد، على امل النهوض بالفكر القومي العربي التقدمي الديموقراطي
ويتضح من أحاديث حبش عن المركز ان تركيزه كان منصباً على ثلاث قضايا مهمة: الاولى هي قضية الديموقراطية في جوانبها النظرية والتطبيقية، وعلاقاتها بالنظام الاقتصادي، بالإضافة الى موضوع العدالة الاجتماعية والرأسمالية والاشتراكية والليبرالية. والقضية الثانية هي قضية الوحدة العربية التي يرى انه يجب دراستها بأسلوب جديد يبتعد عن العواطف، ويراعي خصوصيات مختلف البلاد العربية، ويكرس أسلوب الوحدة بالتدريج في المجالات التعليمية والاقتصادية والسياسية ودور الممارسة الديموقراطية في ضبط ايقاع الخطوات الوحدوية. أما القضية الثالثة فهي دراسة الصهيونية بأسلوب يبتعد عن النظرة الاحادية التي ترى في الصهيونية حركة واحدة متجانسة، وينحو في اتجاه الاسلوب العلمي كي يتم فهم التطور التاريخي للحركة، وبالتالي تكوين فكرة سليمة عن حاضرها الراهن في جميع مقوماتها ومختلف اطيافها السياسية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. بشكل محدد فإنه يقول: «يجب ان نفهم الصهيونية بعمق وتجرد. نفهم كيف تطورت، نفهمها كما يفهمها نتنياهو، زائد كيف يفهمها شمعون بيرس، زائد كيف تفهمها حركة ميرتس... زائد كيف يفهمها بعض اليهود الذين فعلا لديهم عقل وضمير، وبالتالي يقولون انه يجب ان نتعايش مع الفلسطينيين من خلال دولة فلسطينية ديموقراطية»(4
في الواقع، يمكن النظر الى هذه القضايا الثلاث على انها النواة الحقيقية لتجديد المشروع القومي العربي على اساس ديموقراطي يعتمد الاسلوب العلمي طريقة ومنهجاً. ومن المهم ان نلاحظ ان السير في هذه الاتجاه لم يكن تعبيراً عن تجربة النضال الفلسطيني كما تمثلت في تجربة الجبهة الشعبية فحسب، بل انه يمثل ايضاً، والى حد بعيد، تجربة النضال الفلسطيني ككل. واذا دققنا في تجربة الفلسطينيين الذين لم يغادروا فلسطين وعاشوا تحت الحكم الاسرائيلي، فإننا نرى الخطوط العريضة نفسها. فتطور تلك التجربة مر ايضا بالمرحلة القومية العاطفية (منظمة الأرض) ثم بالمرحلة اليسارية والتناغم مع فصائل منظمة التحرير (الحزب الشيوعي) وصولاً الى الطرح القومي العربي بمضمون ديموقراطي (عزمي بشارة). وهكذا نرى ان الدافع الى تخلي حبش عن منصب الامانة العامة للجبهة الشعبية والمهمات القيادية المباشرة كان العمل من اجل تحقيق هدف واحد هو التحرر من اعباء القضايا اليومية والتفرغ كلياً لقضايا المستقبل. لقد كان دوماً مسكوناً بهموم المستقبل؛ المستقبل الذي لا يأتي من فراغ، بل من تراكمات الماضي وإرهاصات الحاضر. كما كان يجمع في شخصه تجربة كل من حركة القوميين العرب، والحركة الناصرية، والشعب الفلسطيني في الاربعين عاماً الماضية. وكان متفائلاً
([) أستاذ الاقتصاد في جامعة واترلو ـ كندا
(1) تحدث جورج حبش في أحد المؤتمرات في سنة 1972 عن ان الجبهة الشعبية تعيش ظواهر المراهقة اليسارية والنزعة الانتهازية اليسارية
(2) محمود سويد، «التجربة النضالية الفلسطينية: حوار شامل مع جورج حبش»، سلسلة مرجعيات رقم 3 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998)، ص 19ـ.20
(3) مجلة «الشراع»، 7 تموز/ يوليو .1997
(4) المصدر نفسه
(ينشر بالتنسيق مع مجلة الدراسات الفلسطينية)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق