الخميس، 16 فبراير 2012

شهادة د. سمير أمين:جورج حبش الأكثر استنارة


جورج حبش الأكثر استنارة

- د.  سمير أمين-
كان جورج حبش الأكثر استنارة بين المناضلين الفلسطينيين. عاش المذابح, وعمليات الطرد الجماعي , والتطهير الإثني التي قامت بها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في عام 1948, وهي حقائق يعرفها أي مؤرخ يستحق هذا الاسم, وإن كانت تخفى بعناية عن الرأي العام الغربي . وقد تعلم من ذلك , الدرس القائل بأن المشروع الصهيوني مشروع استعماري إجرامي عنصري, يقوم على غرار ما حدث في أمريكا الشمالية وأستراليا, حيث أبيد الهنود الحمر, وسكان استراليا الأصليين ليحل مكانهم الانكليز الهاربين من بلادهم . ولهذا السبب رفض حبش التوقيع على اتفاقات أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية , وأثبت التاريخ أنه كان على حق . فهذه الاتفاقات شجعت اسرائيل على التمادي في مشروعها التوسعي , بدلاً من البدء في " عملية السلام " كما ظنت وسائل الإعلام حسنة النية .

فمن الذي سيحرر الشعب الفلسطيني ؟ هل هم العرب المتحدون حول الفلسطينيين ؟لا شك أن حبش قد ساورته في أول الأمر بعض الأوهام الرومانسية بهذا الشأن, بل إنه لفترة ما , كان يتوقع أن تقوم الدولة الوطنية الناصرية بهذه المهمة . ولكنه لم يستسلم تماماً لهذه الأوهام , والدليل انه اختار للحركة التي أسسها اسم " الحركة القومية " معبراً عن توجهه للجماهير الشعبية واليسار خاصة الشيوعيين لا للحكومات أو الأحزاب العربية ,وقد اختار الإستراتيجية نفسها عندما أسس " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " .

وقد نادى حبش بقيام دولة ديمقراطية علمانية واحدة تضم جميع سكان فلسطين على قدم المساواة دون تفرقة بينهم على أساس الجنس, أو الدين , وفي لبنان رفض أن تنضم حركته إلى بعض التحالفات مع القوى الخارجية أو الإقليمية كما فعلت بعض التنظيمات الفلسطينية الأخرى . لقد حافظ على الدوام على استقلالية حركته , كما احترم استقلالية الشعوب العربية الأخرى .

وهذه الاختيارات المستنيرة دفعته للوقوف إلى جانب القوى التي تعمل على اكتشاف " الطريق نحو اشتراكية القرن الواحد والعشرين " فقد كان حبش ماركسياً غير جامد ( وقرأ ماركس بإمعان وتدقيق في أثناء سجنه )
لذلك لا نندهش عندما نجد أن حركة جورج حبش " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " صارت العدو رقم واحد الذي يجب القضاء عليه في نظر إرهابيي دولة اسرائيل والمدافعين عنهم من الأمريكيين والأوروبيين , كذلك نظرت لها بعض المنظمات الفلسطينية كمنافس قوي في الحصول على تأييد الجماهير الفلسطينية, ولهذا كان من أولويات الحكومة الإسرائيلية أن تدمر حركة المقاومة الديمقراطية العلمانية هذه التي تنزع أية مظاهر للشرعية عن ممارسات الأبارتهيد الصهيونية .



الأربعاء، 8 فبراير 2012

شهادة طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية: الحكيم يموت مرتين


 الحكيـم يمـوت مرتيـن


                                                                                             طلال سلمان
يفرض الدم الذي أريق غيلة وبقصد إشعال نار الفتنة، مساء أمس، 
عند «كنيسة التفاهم» ـ مار مخايل ـ أحد مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت، نفسه كمدخل لهذه الكلمات التي كانت مكرّسة لوداع أحد قديسي الحلم العربي في تحرير فلسطين بالوحدة، أو في الوصول إلى الوحدة العربية عبر الممر الإجباري، تحرير فلسطين: الدكتور جورج حبش.
لقد عاد زبانية الفتنة إلى الشوارع ببنادق القتل عن بُعد، ومن خلف ظهر الجيش، لتحوير طبيعة الصراع السياسي وتحويله إلى اقتتال أهلي، وهو ما نخاف منه على لبنان، هنا، بقدر ما نخاف منه على فلسطين التي في حدقة العين، والتي أعطاها «الحكيم» عمره وكل جهده واجتهاداته منذ نعومة أظفاره في اللد، مروراً ببيروت التي تخرّج من بعض جامعاتها طبيباً برتبة مناضل، فإلى القدس التي التقى فيها شريكة عمره وجهاده السيدة هيلدا، فإلى عمان التي انطفأ فيها بعدما هدّه اليأس قبل أمراضه الكثيرة.
عاش جورج حبش حياته على أنه بعض «فلسطين»: هي شرط وجوده بقدر ما هي العروبة شرط بقاء فلسطين لأهلها، قضية تحرر ووحدة. ولأنه عاش دائماً داخل حلمه فإنه قد رحل بعدما ضاق عليه حلمه الذي لم يغادره أبداً.
ولعل مما عجل في رحيل هذا المقاوم العريق تلك الصور التي تسنى لجورج حبش أن يراها، قبل أن ينطفئ نور عينيه، للفلسطينيين من أهالي غزة وهم يُسقطون الحدود المصفحة مع مصر، في محاولة عنوانها الرغيف أما هدفها المضمر فهو استعادة شعب مصر الذي قدم لفلسطين من أبنائه مثل ما قدمت وأكثر. لقد رأى اللاجئين (تكراراً) في وطنهم (وقد ضاع منهم) يقتحمون الحدود طلباً لمصر وسائر أهلهم في الدول الكثيرة، تلك الغارقة في الذهب حتى التيه، وتلك المغرقة في دماء أبنائها بالاحتلال الأميركي، وتلك التي انفرد بها حكامها فأغلقوا أبوابها على شعبها وأوهموه أن خلاصه بتنصله من هويته وأعبائها، وكأن العزلة هي أقصر الطرق إلى الرفاه والتقدم والديموقراطية.
مع الحديث عن جورج حبش، تتداعى فوراً أسماء رفاق السلاح سواء الذين سبقوا إلى الشهادة أو ينتظرون، و«أخطرهم» الدكتور وديع حداد، الذي أدخل أساليب عبقرية جديدة إلى الكفاح المسلح، برغم أنها مسّت بقداسة القضية، ثم هاني الهندي، وأبو ماهر اليماني وأولئك الذين بنوا معه حركة القوميين العرب وفيهم العراقي والسوري واللبناني والكويتي واليمني إلخ...
ولفترة، بدا وكأن هذه الحركة قد نجحت في إعادة وصل ما انقطع بين «الأخوة العرب»، وأسهمت في إحياء الأمل ببناء الوحدة العربية، خصوصاً وقد انتشرت خلاياها في مختلف الأقطار العربية، مشرقاً ومغرباً.
لكن مقدمات الهزيمة العربية في حرب ,1967 بعد الانفصال الذي دمر أول وحدة عربية (الجمهورية العربية المتحدة) أخذت «الحكيم» والتنظيم إلى مدى آخر، (فهرب» من القومية إلى الماركسية ـ اللينينية، مفترضاً أنها قد تقرّبه أكثر من الطبقات الشعبية المؤهلة لخوض حرب التحرير، وهكذا وُلدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على أنقاض «الحركة».
وباختصار فإنه قد جرّب الوصول إلى فلسطين عبر كل الطرق المتاحة: من عمان الأقرب بالجغرافيا، إلى دمشق الأقرب بحس الانتماء القومي، من بيروت الأقرب بحرية السلاح، من طرابلس القذافي قبل أن «يهاجر» فكرياً إلى نظريته الخاصة... ولكن دائماً من القاهرة الأقوى بدولتها متى ارتفعت فيها راية العروبة التي تم تهجيرها منها بعد وفاة جمال عبد الناصر، وبعد إجهاض النتائج الباهرة لحرب العاشر من رمضان التحريرية إلى غربة الصلح المنفرد...
هل من الضروري التذكير بالمأساة الدموية التي نجمت عن «التحول الفكري» المريع الذي أخذ «القوميين السابقين» في عدن إلى المذبحة تحت الرايات الحمراء لماركسية مبتدعة، كانت مهمتها الفعلية تغطية السبق إلى السلطة بتبريرات ليس لها علاقة بأهل البلاد، البؤساء في فقرهم، ولا بثورتهم ضد المحتل البريطاني (في جنوب اليمن) ولا بطموحهم إلى العودة إلى وطنهم الطبيعي: اليمن.
لم يكن جورج حبش سياسياً، بالمعنى المألوف للكلمة، في أي يوم. ربما لهذا لم يتحرج من تبديل الإيديولوجيا، ولكن دائماً بهدف استنقاذ الحلم: تحرير فلسطين أو استعادتها.
لكنه عاش مناضلاً في مختلف الساحات. وعاش دائماً حيث يفرض عليه النضال.
أذكر أنني التقيته ذات شباط، في «الكريمة» في غور الأردن. كان ضيفاً على بعض الفلاحين الذين أفرحهم أن يصيروا أدلاء لأبنائهم الفدائيين وهم يعبرون «الشريعة» إلى أرضهم التي يعرفونها بالشجرة والصخرة والمصباح الخافت والمحدلة على السطح الترابي.
قال واحد من الفلاحين مخاطباً «الحكيم» وصحبه: يمكنكم أن تهتدوا بآثار أقدام الصحابة من قادة جيش الفتح. من هنا عبروا وهم في طريقهم إلى بيت المقدس، ومن هنا عبروا ثم أقاموا طيلة حصار دمشق، وكثير منهم قضى نحبه ودفن هنا، في هذه الأرض المباركة خلال الحصار، لأن الطاعون ضرب دمشق وأهلها وأصاب من قادة جيش الفتح ومقاتليه الكثير فماتوا ودفنوا في هذه الأرض، وأقربهم إلينا هنا شرحبيل بن حسنة.
قال «الحكيم»: نتمنى على الله أن يكتب لنا الشهادة مثلهم من أجل تحرير الأرض.
وأذكر أنني التقيت وأنا عائد من لقائه في منطقة جامعة بيروت العربية، ذات يوم من أواسط السبعينيات، الشاعر الكبير محمود درويش، فسألني بأسلوبه المميز: هل ما زال الحكيم يستوطن البديهية؟ ولم يكن بحاجة إلى جوابي للتصديق على حكمه... الثقافي.
وأعرف أن كثيراً من أهل الرأي ورجال السياسة كانوا يعودون من اللقاء مع «الحكيم» آخذين عليه تمسكه بالمواقف المبدئية المجافية لضرورات السياسة. وكان جورج حبش يستغرب اعتراضهم، ويفترض ـ صادقاً ـ أنهم المخطئون، وأن التجربة ـ لا سيما في مواجهة إسرائيل، ومن يتهاون في حربها ـ ستكشف لهم مدى غلطهم، محذراً من «أنك إن لم تواجه العدو فإنه سيأتيك في قلب دارك».
الحزن عربي أسمر، له ملامح جورج حبش الذي كانت انتكاساته الصحية تعبيراً عن خيبات الأمل المتكررة، وعن نتائج الانحراف السياسي وإضاعة الطريق إلى فلسطين.
ومؤكد أن «الحكيم» سيرفع صوته محتجاً، من قلب مثواه الأخير، معترضاً على إعلان رئيس «السلطة الفلسطينية» الحداد ثلاثة أيام على رحيله، وهو في الطريق إلى القدس المحتلة للقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بينما جماهير الفلسطينيين المجوعين بالحصار المذل يقتحمون الحدود مع مصر لشراء كفافهم من الخبز.
مات جورج حبش مرتين: الثانية لأنه دفن خارج أرض فلسطين. لكن «الوحدوي» فيه سيصبر... كما في حياته.

الخميس، 2 فبراير 2012

"إسرائيل" والتعايش بين اليهود والعرب،الفصل الثامن عشر من كتاب "جورج حبش،الثوريون لا يموتون أبدا"ً


كتاب "جورج حبش،الثوريون لا يموتون أبدا"ً
الفصل الثامن عشر
"إسرائيل" والتعايش بين اليهود والعرب
حاور الحكيم : جورج مالبرينو



- كيف تنظر إلى مستقبل العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟
- عندما أفكر في المشكلة الفلسطينية أشعر بضرورة أن نتمتع بحقنا غير القابل للانتقاص باستعادة أرضنا حتى آخر متر مربع، لأن هذه الأرض هي ملكنا. وفي الوقت نفسه، فإن كل إنسان عاقل لا يسعه أن يتجاهل الواقع الحالي المتمثل بوجود أكثر من خمسة ملايين يهودي يدعون بأنهم مواطنون في دولة أسمها "إسرائيل"، ويعتقدون أيضاً بأن لهم الحق بهذه الدولة. هل يمكننا أن نتخيل حلاً من شأنه أن يسمح لنا بالاحتفاظ بحقوقنا التاريخية فوق أرضنا؟ لابد من أن نواجه وضعاً في غاية التعقيد قبل الإجابة على هذا السؤال. 

إذا ما عدنا إلى الوراء، فإننا نجد أن الغزو الصهيوني، منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان شديد الاختلاف عما نسميه عادة بالإمبريالية. وقد عبرنا عن ذلك في شعاراتنا (وحدة،تحرر،استرجاع فلسطين)، عند نشوء حركة القوميين العرب في الخمسينات من القرن الماضي... كانت معركتنا ضد الإمبريالية مركزة، في تلك الفترة، على الجزائر والمغرب واليمن الجنوبي والخليج، حيث كنا نريد لهذه البلدان أن تنتزع استقلالها بالخلاص من النير الاستعماري.

وأما الكيان الصهيوني فقد كان يستهدف اغتصاب أرضنا، وحتى وإن كان متحالف مع الإمبريالية. كان يسعى إلى تأمين وجود دائم في هذه الأرض خلافاً، على سبيل المثال، للفرنسي الذي كان سيتخلى، يوماً ما، عن مستعمراته في إفريقيا الشمالية. فالفرق بين الاحتلال الصهيوني والاستعمار الفرنسي أو البريطاني هو في أن الصهيونية قد وصلت وهي تحمل مفاهيم مفادها أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض(هو الشعب اليهودي)، منكرة بذلك وجود الشعب الفلسطيني، وزاعمة أن اليهودية هي قومية، في حين أن العالم يعلم أنها دين وليست قومية. وقد عزز الصهاينة هذا المفهوم بالاستناد إلى مفهوم آخر،ديني، ووصلوا إلى حد حمل العالم كله على الاعتقاد بأن فلسطين هي أرض الميعاد الخاصة باليهود. إن خصوصية الاحتلال الإسرائيلي هي في سعي الصهاينة إلى تفريغ الأرض التي يحتلونها من جميع سكانها. وهذا ما أدركته جماهيرنا التي انخرطت سريعاً في النضال ضد الاحتلال. لكن القادة الصهاينة قد أدركوا أن وجودهم على هذه الأرض المتنازع عليها يجب أن يرتبط بامتلاك السلاح الذري، السلاح الأكثر قدرة على الردع، في وجه كل من قد يسعى إلى اقتلاع إسرائيل من الأرض الفلسطينية.
عندما عرضت على الرئيس جمال عبدالناصر، في العام 1964، ما كنانقوم به من إعداد لثورة فلسطينية على غرار الثورة الجزائرية، أجابني بأن مسألة إسرائيل هي مشكلة كبرى وأشد تعقيداً ممال نتصور، وأن علينا أن نتسلح برؤية طويلة الأمد وعميقة في مواجهة هذا الخطر الذي يهدد الأمة العربية بأسرها.
لقد قامت الدولة الإسرائيلية على أنقاض الشعب الفلسطيني. لا أحد يمكنه إنكار ذلك. وبعد تفكير طويل وعميق، وصلت اليوم لاستنتاج مفاده أن الدولة الديمقراطية والعلمانية هي الحل الوحيد للصراع بيننا وبين الإسرائيليين. دولة واحدة يمكن فيها لليهود والفلسطينيين أن يتعايشوا على أساس المساواة في الحقوق والواجبات. فالعرب واليهود سبق لهم أن عاشوا معاً على مر التاريخ، لكن الامبريالية هي التي استخدمت اليهود في العالم من أجل تحقيق أغراضها ومصالحها. الإمبريالية هي التي أوجدت الصراع بيننا وبينهم لأنها أرادت زرع كيان غريب في المنطقة لخدمة مصالحها وهو الكيان الإسرائيلي.

- مشروع الدولة ذات القوميتين يبدو اليوم غير واقعي، واليهود قاتلوا طوال ألف عام من أجل العيش في دولة سيدة، ولن يقبلوا مطلقاً بتقاسم هذه الدولة. أليس كذلك؟
- أعود وأكرر أن اليهودية دين، وهذا يقتضي برأيي أننا لا نستطيع النظر إلى اليهود على أنهم شعب واحد. وعلى ذلك، فإن مفهوم القومية لا ينطبق على اليهود. ماهو الأمر المشترك بين اليهودي اليمني واليهودي البولندي؟ إن الدين فقط هو ذلك الأمر المشترك. فعن أي سيادة تتكلم؟ لنفرض أن اليهود يطلبون سيادة...لماذا تكون السيادة على حساب الشعب الفلسطيني وسيادته؟ ولماذا اختاروا فلسطين دون أي بقعة أخرى من العالم؟ كثيرون يقولون كلاماً مثل كلامك هذا ويتخذون وضعية متشائمة جداً تجاه المشروع الذي طرحتُه والذي يعتبرونه مشوب بالرومانسية. لكن مثال الحرب الجزائرية يمنحنا الأمل. فالجزائريون قاتلوا الاستعمار الفرنسي طوال مئة واثنين وثلاثون عاماً ونجحوا أخيراً في انتزاع استقلالهم. لن يكون هناك سلام وتعايش بين اليهود والعرب، إذا ما وضعنا جانباً هذا الحل المتمثل بدولة واحدة ديمقراطية علمانية.

- أنت تدرج أهدافك إذن ضمن أفق تاريخي بعيد المدى. أليس كذلك؟
- أنا أضع أهدافاً فعلاً، وآمل أن تتحقق مع مرور الزمن. فالأمور تتغير كل يوم حتى في إسرائيل. وإذا ما استعرضنا انتصارات الحركة الصهيونية منذ العام 1948 حتى اليوم، فإننا نلاحظ أننا تعرضنا لهزائم قاسية عام 1948 وعام 1967، وشهدنا نصراً عسكرياً عام 1973، وأن الفلسطينيين قد صمدوا أمام النيران الإسرائيلية لمدة ثمانية وثمانين يوماً في بيروت. كان ذلك رائعاً في تلك الفترة. كما أن الانتفاضة الأولى التي انطلقت في أواخر العام 1987، والانتفاضة الثانية التي انطلقت في العام 2000، قد زعزعتا مفهوم الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وأبرزتا النضال الأسطوري للشعب الفلسطيني. ولكن ما توج جميع هذه المكتسبات تمثل بانتصار حزب الله، عام 2009، على الآلة العسكرية الإسرائيلية. وقد أحدثت هذه الهزيمة التي مني بها العدة زلزالاً حقيقا في إسرائيل، حيث وصل المثقفون إلى حد التساؤل عن مستقبل المشروع الصهيوني، لأن الجنود الإسرائيليين كابدوا خسائر فادحة خلال الأيام الثلاثة والثلاثين التي استغرقتها الحرب التي أثرت على معنوياتهم. واليوم، يتنبأ بعض الإسرائيليين بمستقبل قاتم لدولتهم. أنا واثق حقاً وأقول في نفسي بأن نهاية إسرائيل قد اقتربت. وإن حربها الفاشلة على لبنان قد وضعت علامة استفهام على مستقبل المشروع الصهيوني. لقد فوجئ العالم كله بتلك الهزيمة. إن الحياة هي لاشيء غير التغيير نحو الأفضل والتراكم في التجارب. ولابد من الاستمرار في المواجهة حتى تحقيق الأهداف الوطنية.

- إن كثيراً من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يتألمون، وقد لا يكونون مستعدين للانتظار خمسين سنة أخرى. ما قولك في ذلك؟
- هذا غير صحيح. لأن شباب المخيمات في فلسطين والخارج هم أكثر اقتناعا من ذويهم بعدالة قضيتهم في استرجاع وطنهم. وليس اللاجئون وحدهم من يريدون ذلك، بل إن غالبية الفلسطينيين يتمسكون بالعودة. أنا مقتنع بذلك. إنه حق مقدس، وأنا مقتنع بأنه لو حصل الفلسطينيون على أرض محررة ودولة حقيقة ذات سيادة فإن الغالبية العظمى ستعود إلى تلك الدولة. إن هذا الهدف غير قابل للتحقق حالياً، ولكن إمكانياته ستأتي مع الأيام، لأن ليس هناك ما هو مستحيل. ثم أعود وأكرر أن الناس الذين ولدوا خارج فلسطين هم أكثر شغفاً بالعودة من جيل آبائهم الذين عايشوا نكبة 1948 وحرب الـ 1967. إن الفكرة القائلة بأن الأجيال القادمة ستنسى، بمرور الزمن، أصل القضية الفلسطينية، هي فكرة خاطئة تماماً.

- هل ستكون تلك الدولة ثمرة النضال السياسي أم العسكري؟
- كل أشكال النضال يجب أن تتضافر من أجل تحقيق هذا الهدف. لايمكننا أن نحقق النجاح إذا ما اكتفينا بواحدة من هذه الوسائل دون غيرها.

- لكن ألا تميل موازين القوى العسكرية الحالية بشكل واضح لمصلحة إسرائيل؟
- وضعنا العسكري ليس مرضياً حالياً. ولكن الموقف يمكن أن يتغير تماماً. من هم الذين يتمتعون بحق أكبر في فلسطين: أهم الناس الذين كانوا يعيشون على هذه الأرض منذ آلاف السنين، والذين اقتلعوا منها منذ ستين عاماً، بفعل الاحتلال الصهيوني، أم اليهود الروس والبولنديون والإثيوبيون وغيرهم ممن أتوا إليها منذ عقود لا أكثر؟ لابد للعالم من أن يفهم أخيراً أن هناك وضعاً ظالماً ينبغي أن يصحح وأن هناك حقوقاً يجب أن تعود إلى أصحابها الشرعيين.

- هل تعتمدون على الديموغرافيا؟
- أجل. إنها حرب ديموغرافية، والأمور ستتغير لمصلحتنا يوم نصبح أكثر عدداً. فذلك يشكل بالفعل بُعداً هاماً يمكنه أن يعمل لمصلحتنا، ولكنه غير كاف، إذ لابد، إلى جانب ذلك، من أن نستمر في النضال والتخطيط وتعبئة الجماهير. إن الزمن يعمل لمصلحتنا بشكل أو بآخر. لذا، تعمل إسرائيل بسرعة على استقدام أكثر من عشرة ملايين يهودي إلى فلسطين لتواجه هذه المعضلة.

- على أرض الواقع، يقوم الإسرائيليون ببناء الكثير من المستوطنات في الضفة الغربية. ألا يعمل عنصر الوقت في غير مصلحتكم على هذا الصعيد؟
- صحيح أن عنصر الوقت يمكنه أيضاً أن يعمل في غير مصلحتنا. ولكن الكثيرين في داخل المجتمع الإسرائيلي قد بدأوا، كما قلت لك، بطرح التساؤلات حول الحركة الصهيونية. كما أن وجود أكثر من مليون عربي فلسطيني ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية في أراضي الـ 48 يعمل لمصلحتنا، لأن العالم سيتحرك إذا سعت إسرائيل إلى طردهم من أراضيهم.

- ألا تلاحظ أن الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج هم أكثر جذرية ممن هم في الداخل؟
- لا ينبغي التعميم. صحيح أن من يعيش في الخارج هم أكثر تمسكاً بمسألة العودة. لكن هنالك من هم جذريون جداً في التيارات الوطنية داخل الأراضي المحتلة، فالفلسطينيون في الداخل لهم دور نضالي تاريخي في المواجهة اليومية مع تلك الدولة العنصرية.

- نلاحظ من خلال ما تقوله أنك مخلص جداً لمبادئك المعلنة قبل عشرين أو ثلاثين عاماً. ولكن هل هذه هي السياسة؟ أليست السياسة أيضاً هي في معرفة كيفية التكيف؟
- من واجبي، إنطلاقاً من ثوابتنا القومية، أن أظل مخلصاُ لمبادئي، وإن تغيرت الطريقة في مقاربة هذا أو ذاك من جوانب القضية، على ما أثبتناه طوال تاريخنا، سواء تعلق الأمر بتطور نظرتنا، منذ العام 1959، إلى الفرق بين اليهودي والصهيوني، أو منذ العام 1972، في ما يخص خطف الطائرات.
وعلى ذلك، لا يمكنني أن أتنكر لمبادئي. لقد تنازلت ووافقت على فكرة الدولة فوق أي جزء من الأرض المحررة كهدف مرحلي على طريق تحرير كامل الأرض الفلسطينية وإقامة دولة يتعايش فيها اليهود والعرب مسلمين ومسيحيين في فلسطين. يمكنك أن تعترض بالقول بالقول إنه كان من الأفضل لنا، إذا لم نتمكن من إقامة تلك الدولة في غضون مئة عام، لوكنا قبلنا بعرض أكثر محدودية، بصورة انتقالية وبالشكل الذي فعلناه، ولكن من دون التراجع عن أهدافنا طويلة المدى... كما يمكنك أن تقول الشيء نفسه بالنسبة إلى الوحدة العربية، حيث أنني مقتنع بأنها قابلة للتحقيق على مراحل. لقد قبل أبو عمار بحلول ديبلوماسية، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ صفر! وإذا حدث لي ودخلت في مفاوضات مع الإسرائيليين فإن ذلك سيكون بهدف العيش معهم في دولة ديمقراطية علمانية واحدة. وبالرغم من جميع التنازلات السياسية التي قدمتها القيادة الفلسطينية الرسمية، وبالرغم من جميع الاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل، فإن شعبنا لازال يتحمل العذاب يومياً من خلال أعمال التدمير والطرد. فالأمور لم تتغير على أرض الواقع عما كانت عليه منذ ستين عاماً.

 - هل هناك فرق، بالنسبة لك، بين اليسار واليمين الإسرائيليين؟ هل إقامة سلام مع حزب العمل هي أكثر سهولة منها مع حزب الليكود؟
- الفرق الوحيد بين اليسار والليكود يكمن في أن البعض يبدي مرونة أكثر مما يبديه البعض الآخر. ومع ذلك، وسواء تعلق الأمر باليسار أو بالليكود، فإن الفريقين يتخذان المواقف نفسها تجاه المسائل الهامة المتعلقة بالقدس وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وإزالة المستوطنات. فاليسار لن يتراجع مطلقاً، شأنه شأن الليكود، في ما يخص هذه المسائل. وأنا أعتقد أنهما يشكلان وجهين لعملة واحدة. هناك الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي يظل حزباً غير صهيوني، ولكن جميع التشكيلات الأخرى تتشابه مواقفها في أوقات الأزمات في الأمور الأساسية.

- هل بين القادة الإسرائيليين، من دافيد بن غوريون إلى إيهود أولمرت، من تعترف له بمزايا خاصة؟
- كلهم صهاينة في نظري. إنهم يطمحون جميعاً إلى فرض الهيمنة الصهيونية على العالم العربي بأسره.

- إذن اليسار واليمين في إسرائيل كلاهما صهيوني. هل يعني ذلك أن جميع الأحزاب تتبنى مبادئ لا تنسجم مع مطالبكم؟
- هناك قوى يهودية عديدة لا شأن لها بالتوجهات الصهيونية المعروفة. الحزب الشيوعي هو غير صهيوني، كما سبق وقلت، وكذلك بالنسبة إلى جماعة ناتوري كارتا.

 - لكن هذه القوى تظل غير مؤثرة حتى لو اجتمعت!
- أعترف بأن هذه القوى لا تتمتع حالياً بنفوذ كبير داخل المجتمع الاسرائيلي. هناك عدد قليل ولكنه مؤثر من الصحفيين والمؤرخين والمثقفين الذين يرفعون الصوت ضد السياسة الاسرائيلية في فلسطين. ويمكنهم عاجلاً أو آجلاً أن يعززوا تأثيرهم على الإسرائيليين.

 - هل يمكنك أن تكتفي باعتراف إسرائيلي بـ"حق العودة"، بالشكل الذي كانت منظمة التحرير الفلسطينية مستعدة للقبول به خلال اتفاقيات كامب دايفيد، في العام 2000؟
- هذا لا يكفي بالنسبة إلي. فأنا مع عودة كل فلسطيني إلى المكان الذي جاء منه، بما في ذلك أراضي الـ 48. أنا أريد العودة إلى اللد، المدينة التي ولدت فيها. لقد قام الإسرائيليون منذ بعض الوقت بتدمير منزلي لمحو الرمز التاريخي الذي يمثله مثل هذا المكان. فالاعتراف، دون العودة الفعلية، لا يكفيني. أنا غير مستعد لقبول التلاعبات الإسرائيلية الهادفة إلى منع عودة اللاجئين، كما حصل في اتفاقيات أوسلو. أنا أدرك أن إسرائيل اليوم لن تقبل هذه الشروط. ولكن موازين القوة يمكنها أن تتغير في المستقبل. وعندما تصبح المعايير الدولية ملائمة بالنسبة إلينا، سيكون بإمكاننا أن نصر على تحصيل الاعتراف بحق العودة. أنا مع دولة ديمقراطية وتعايش سلمي بين اليهود والفلسطينيين. تلك هي فلسفتي. وسأواصل النضال حتى النفس الأخير من أجل تحقيق هذا المثال.

الأحد، 29 يناير 2012

شهادة عبد الباري عطوان " بعنوان : الحكيم عندما يترجل "

  الحكيم عندما يترجل
                                                                                                                        عبد الباري عطوان
برحيل الدكتور جورج حبش، يكون الستار قد اسدل، وبشكل نهائي، على كوكبة من فرسان هذه الأمة، الذين بعثوا الامل فيها، وتمسكوا بثوابتها الوطنية، وارادوا لها مكانة متميزة بين الأمم.
حتي اللحظات الاخيرة من حياته، ظل الدكتور حبش متفائلا بقدرة هذه الامة على النهوض من كبوتها، مؤمنا بحتمية وحدتها، منتصرا لقضاياها، منحازا الي الضعفاء في مواجهة الاقوياء.
اسس أكاديمية عمادها التواضع، واحترام الذات، ونظافة اليد واللسان، واتباع ارفع انواع التهذيب في المعارضة السياسية، والابتعاد عن المبالغة، والتمسك بالصدق والحرص على الثبات والمصداقية في القول والموقف معا.
عاش حياة متواضعة في احد احياء العاصمة الاردنية عمان، يتلقي معاشا شهريا مقداره 300 دولار امريكي من الجبهة الشعبية، ولم يسجل مطلقا في كل ادبيات الجبهة انه طلب شيئا خاصا لنفسه او لأسرته، وانا اعلم شخصيا انه لم يكن يملك المال الكافي لإعداد مذكراته والاستعانة بباحثين لمساعدته على انجازها ونشرها بالشكل المطلوب، وتصنيف الوثائق المتعلقة بها.
 
سيدخل الدكتور جورج حبش التاريخ العربي ليس لانه مؤسس حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وانما ايضا كزعيم ترجل من سدة القيادة لافساح المجال امام اجيال جديدة لتأخذ دورها وتتحمل مسؤوليتها. فالرجل لم يعتزل القيادة في العام الفين، وانما قبلها بكثير، حيث كان يطالب صادقا، في جميع مؤتمرات الجبهة في السنوات العشر التي سبقت اعتزاله، بإعفائه من القيادة، ولكن جميع طلباته قوبلت بالرفض. لقد اسس سابقة، ونموذجا في العملين الثوري والحزبي، سيظلان ماركة مميزة له، تؤكد فرادته بين اقرانه.

لم يهادن الأنظمة العربية والديكتاتورية القمعية منها علي وجه الخصوص، ونأي بحركته عن المناصب والانقلابات، وفضل ان تظل دائما حركة قومية مقاتلة، ترتكز علي رصيد هائل من القيم والمباديء الاخلاقية، بعيدا عن الماديات، ومغريات السلطة.
ربما يجادل البعض بانه كان رومانسيا حالما، وان حركته كانت نخبوية مثالية، لم تقرأ المعادلات الاقليمية بشكل صحيح، ولهذا لم تضرب جذورها في عمق الطبقات الشعبية، ولم تصل الي قاع المجتمعات العربية، علي عكس الحركة الناصرية مثلا، وربما ينطوي هذا النقد علي بعض الصحة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كانت الانظمة الاقليمية قد سمحت لها بان تنمو وتتطور وهي التي نصبت اسوارا شائكة لإبعادها عن القاعدة، وزجت بالكثير من ابنائها، اي ابناء الحركة، في السجون والمعتقلات، وأسست، ومولت، حركات مقاومة لتخريب العمل الفدائي الفلسطيني، وتشتيته، بل وحرفه عن اهدافه الحقيقية.
ورغم ان الدكتور حبش لم يدخل في المؤامرات والانقلابات مثلما فعلت احزاب قومية اخري، الا انه لم يسلم من مؤامرات وانقلابات هذه الانظمة التي زرعت بعض رجالاتها في حركته وجبهته، ونجحت في شق صفوفها، واستنساخها في اشكال متعددة بعيدة عن الاصل ومنطلقاته ومبادئه، ومن المفارقة ان جميع هذه المؤامرات جاءت من قبل انظمة ترفع راية القومية العربية وتتبناها كشعار جماهيري.

اختلف الدكتور حبش كثيرا مع رفيقه وخصمه ياسر عرفات، وكان المجلس الوطني الفلسطيني ساحة نزال ساخنة بين الرجلين، الاول يمثل توجها تصالحيا مع الانظمة، وقراءة واقعية للمعادلات الدولية حسبما كان معروفا عنه، والثاني كان صاحب مدرسة نضالية، لا تساوم علي الحق، ولا تبدي اي مرونة مع الاعداء، ولا تفرط بالثوابت، او ببعض منها ولو من قبيل التكتيك.
هذا الخلاف بين الرجلين هو الذي حفظ التوازن في الساحة الفلسطينية، وأطال في عمر منظمة التحرير وعزز صلابتها، وأبقى على الحيوية والديناميكية في العمل الفلسطيني، وقدم مثلا في التعايش تحت سقف الشرعية النضالية في محيط عربي مضطرب، وفي مواجهة عدو ربما يكون هو الاكثر شراسة في التاريخ الاستعماري الاستيطاني.
لم يخوّن جورج حبش مطلقا خصمه ياسر عرفات، ولخص بعبارته الشهيرة التي اطلقها في المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر، طبيعة العلاقة معه عندما قال مخاطبا إياه ويلي منك وويلي عليك . وكان بليغا في خصومته مثلما كان عظيما في محبته. فللخصومة اخلاق في قاموسه، وكان فعلا مضرب المثل في ذلك.
ثلاث محطات رئيسية في مسيرة الدكتور حبش لا يمكن تجاهلها، اولاها معارضته الشرسة لاتفاقات كامب ديفيد التى وقعها الرئيس الراحل محمد انور السادات، وثانيتها معارضته الاشد لاتفاقات اوسلو التى وقعها الرئيس الراحل ياسر عرفات في ايلول (سبتمبر) عام 1993، وثالثتها معارضته الحرب الامريكية على العراق في فصليها الاول والثاني.

بوصلته كانت دائما مصلحة الأمة، والوقوف في خندق اعدائها، والادارات الامريكية المتحالفة مع العدو الاسرائيلي على وجه الخصوص، ولم تخطيء بوصلته ابدا، فقد مزقت اتفاقات كامب ديفيد الصف العربي، وسجلت اتفاقات اوسلو سابقة اعتراف فلسطيني مجاني باسرائيل قاد اى كوارث جمة وما زال، اما الحروب الامريكية في المنطقة فقد دمرت العراق، ومزقت وحدته الوطنية، وقتلت الملايين من ابنائه حصارا واحتلالا، وكادت ان تطمس وجهه العربي.
رحم الله الدكتور جورج حبش حكيم الامة العربية، الذي جاء من رحم المعاناة الفلسطينية، ليجعل منها ركيزة نضالية للوصول الي الهدف الأسمى الا وهو الوحدة العربية الشاملة على اسس الكرامة القومية المتسامحة.
انحاز الحكيم دائما الي الفقراء الذين فتح عيادة مع زميل دربه وديع حداد في مخيمات عمان لعلاجهم، وسيحل اليوم ضيفا الي جانبهم في مقبرة الشهداء رفاق مسيرته النضالية.

الأربعاء، 25 يناير 2012

في الذكرى الرابعة لرحيل القائد جورج حبش : بقلم هيلدا حبش .

في الذكرى الرابعة لرحيل القائد جورج حبش /هيلدا حبش
2012-01-25

تحل الذكرى الأليمة الرابعة لرحيل الحكيم اليوم في خضم أحداث صاخبة تعصف في الوطن العربي فتهب رياح التغيير من أجل وطن تسوده الحرية والعدالة والمساواة وتصان فيه كرامة المواطن العربي المهدورة، وتطبق فيه الديمقراطية والتعددية السياسية ليبزغ فجر جديد يسدل فيه الستار على مرحلة قاتمة من تاريخ شعبنا ولتشرق شمس الحرية وتعود السيادة فيه للوطن وللمواطن التي طالما إفتقدها. كم كنت أتمنى أن يكون الحكيم اليوم على قيد الحياة ليعيش نشوة الإنتصار لإرادة الشعوب التي طالما اَمن بها وعمل من أجلها. فقد كان يؤمن دوماً بأن معركة التحرير تبدأ بتحرير الشعب من القهر والظلم والإستبداد والذل والفقر. 

تأتي هذه الذكرى على وقع الاحداث الجسيمة التي يعيشها شعبنا العربي وعلى دوي المعارك الضارية التي يواجهها في صدور عارية وكله ايمان بعدالة مطالبه المحقة في العيش الكريم ومستقبل أفضل.
أمواج من البشر تملأ الساحات والميادين غير آبهة بآلة القتل والقمع التي تفتك بالنساء والاطفال والشيوخ والشباب وتقطّع اوصالهم. ثمن باهظ يدفعه الشعب من دمه بينما باقي شعوب الارض في البلدان المتقدمة تنعم بالحرية وتعتبر مثل هذه المطالب من البديهيات وحق مكتسب من حقوقها.
ان شرارة الثورة التي هبت من تونس وامتد لهيبها الى مصر وليبيا واليمن حتى وصلت سورية، جاءت لتعبر عن مدى الظلم والقهر الذي يختزنه شعبنا في ظل أنظمة مستبدة تستأثر بالمال والسلطة وتصادر حقوق المواطن وتنهب ثروات البلاد. إن البوعزيزي احرق نفسه بعدما أدرك أنه لا مكان للفقراء امثاله في هذا العالم المادي .إن الأزمات الاقتصادية التي يعيشها العالم في السنوات الاخيرة ماهي الا نتيجه طبيعية لجشع أصحاب المليارات وفسادهم فإنعكست سلباً على ذوي الدخل المحدود كونهم الحلقة الضعيفة أمام طاغوت الرأسمالية.
تتزامن ذكرى رحيل الحكيم مع ذكرى اندلاع ثورة مصر العظيمة، ثورة الشباب الذي قدم الغالي والنفيس من أجل القضاء على الدكتاتورية والفساد لتبدأ مسيرة البناء، بناء الدولة الحديثة دولة القانون والمؤسسات، دولة تعمل على حماية الشعب من الجهل والفقر والبطالة وتوفير العلاج والتعليم وخلق فرص العمل لجميع المواطنين. دولة تعمل على ارساء قواعد الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي والتعبير. بهذه المناسبة المجيدة أتمنى لمصر ولشعب مصر ولكل الشباب والشابات الذين كان لهم الدور الاكبر في إحداث التغيير والذين دفعوا الثمن غالياً تحقيق اهدافهم الوطنية كاملة. هنيئاً لهم هذا النجاح وأطلب من الله أن تبقى شعلة الثورة متقدة، وان يعملوا جميعاً يداً بيد بعيداً عن الانقسامات المدمرة لحماية الثورة وحماية هذا الانجاز الكبير. المجد والخلود لشهداء مصر الأبرار.
اهنيء الشعب التونسي في عيد الثورة المجيدة ثورة الياسمين التي اندلعت في 17 ديسمبر وكانت أول من أطلق الشرارة التي انتشرت كالنار في الهشيم في معظم أرجاء البلدان العربية. ستبقى تضحيات الشعب التونسي صفحة مجد في تاريخ تونس الحديث تحية اجلال واكبار الى شهداء تونس وجرحاها والى كل من ساهم وشارك في عملية التغيير.
اما الشعب اليمني العظيم الذي مازال يقارع الدكتاتورية، فقد اثبت للعالم بأن النضال السلمي الدؤوب وبالارادة والتصميم يستطيع أن يواجه جيش النظام المدجج بالسلاح وأن الشعب الذي استطاع تحرير اليمن الجنوبي من قبضة الاستعمار البريطاني قبل عقود يستطيع أن ينتزع حريته من الطغمة الحاكمة نحن نعتز بالدور الكبير الذي قام به الشعب اليمني شيباً وشباباً واطفالاً. إن المرأة اليمنية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه. تحية الى الأخت المناضلة توكل كرمان وهنيئاً لها وللمرأة اليمنية هذه الجائزة جائزة نوبل للسلام فهذا التكريم هو تكريم لكل امرأة عربية تركت بصماتها في ساحات الوغى. أحيي الشعب اليمني الذي ضرب مثالاً يحتذى به في الصبر والعزيمة والاصرار والمثابرة.
كما وأحيي الشعب الليبي الذي انتصر على الدكتاتورية والفساد وأترحم على شهداء الثورة الذين قضوا وهم يدافعون عن كرامة شعبهم وبلدهم وهم الذين بدمائهم الطاهرة رووا التراب الليبي وطهروا الارض من براثن الطغاة. اتمنى الشفاء لجميع الجرحى وان جراحهم ستبقى أوسمة على جباههم وجباه كل الاحرار في ليبيا. واتمنى على الثوار العمل على تعزيز الوحدة الوطنية والوفاق الوطني لتبدأ معركة البناء بناء ليبيا الحديثة الحرة بهمة شبابها وشاباتها.
إن الثروة النفطية هي ملك الشعب الليبي، إن دول الناتو لم تشارك في الحرب لسواد عيون الشعب الليبي يكفي أن نعرف أن حصة فرنسا وحدها من النفط 35' ولا أدري ماذا يبقى من حصة ليبيا بعد توزيع الحصص فيما بينهم هذا عدا عن النيران الصديقة التي اكتوى بها المدنيين العزل. المجد والخلود الى شهداء ليبيا الابرار.
أما سورية الحبيبة فمن الصعب أن تعبر الكلمات عن مدى الحزن العميق والشعور بالمرارة ونحن نشاهد الدم السوري يراق بغزارة في شوارع المدن السورية ثمناً للحرية والعدالة والمساواة. ومن أجل عملية اصلاح شاملة ومطالب محقة ومشروعة للتخفيف من أعباء المواطنين ومعاناتهم. سورية التي عشنا فيها الامن والامان والاستقرار لها مكانة خاصة في قلوبنا وتربطنا بشعبها أفضل العلاقات المتينة الودية والاخوية. لنا في هذا البلد الحبيب ذكريات خاصة وحميمة وإن ارتباطي بالحكيم والزواج منه تم في دمشق في كنيسة الصليب في القصاع ومازلت أذكر شباب الحركة، حركة القوميون العرب، وهم يرقصون الدبكة الفلسطينية خارج الكنيسة وسط عدد كبير من الرفاق والاهل والاصدقاء فرحاً بزواجنا كما أن إبنتنا ميساء ولدت في دمشق.
كان الحكيم يعشق الاقامة في سورية لقد عشنا معاً أحلى ايامنا التي امتدت لسنوات طويلة وكانت دمشق خياره الاول بعد الخروج من بيروت. أتخيله لوكان على قيد الحياة لقدم دمه انقاذاً لسورية وللشعب السوري ودعا الى وقف الاقتتال الداخلي بين الشعب الواحد وطلب من الجميع توجيه فوهات البنادق نحو العدو الاسرائيلي المشترك. كان يؤمن بالحوار الديمقراطي لحل الخلاف بين الاخوة ويدعو الى الوحدة الوطنية والوفاق الوطني بعيداً عن النزاع الطائفي كما كانت سورية دائما نموذجاً للتعايش السلمي. أدعو الى وقف القتال لأن ما يجري على الارض اليوم يفوق قدرتنا على الإحتمال. في خضم هذه الاحداث الساخنة تجري المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة التي يطلقون عليها مفاوضات استطلاعية وكأن عشرين عاما' من المفاوضات الفاشلة لا تكفي للاستطلاع. بينما اسرائيل تستطلع بطريقتها الخاصة على الارض بخلق واقع جديد عن طريق مصادرة المزيد من الاراضي وتكثيف الاستيطان وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية وتهويد ما تبقى من القدس وهدم المباني وطرد السكان ومصادرة هوياتهم وزج المزيد من المناضلين في السجون وشن المزيد من الغارات فوق غزة لتقتل وتدمر كما يحلو لها دون حسيب ولا رقيب. 
ان شعبنا قد سئم المفاوضات والمفاوضين ويرفض التفريط بالحقوق والثوابت الوطنية التي دفع آلاف الشهداء والجرحى وآلاف المعتقلين ثمناً للمبادئ التي قامت الثورة من أجلها. أين أصبح حق العودة وحقنا في المقاومة وحق تقرير المصير وازالة المستوطنات والانسحاب من الاراضي المحتلة ؟ حقوق مشروعة اقرتها جميع الاعراف والشرائع الدولية. أدعو القيادة الفلسطينية إلى إحترام ارادة الشعب الفلسطيني واجراء استفتاء شعبي ليقول الشعب كلمته بكل ما يجري على الساحة الفلسطينية. إن الربيع العربي ورياح التغير آتية لا محالة.
رحم الله الحكيم ولتبقى مبادئه شعلة تنير طريق الحق والحقيقة. 
' ارملة الزعيم الفلسطيني الراحل د. جورج حبش