السبت، 14 يناير 2012

شهادة فؤاد مطر :قصة كتابي عن جورج حبش.


قصة كتابي عن جورج حبش

فؤاد مطر
أتاح لي الدكتور جورج حبش وكنت كـ " محرر الشؤون العربية " في " النهار " وكبير مراسليها في العالم العربي أتابع باهتمام  حركته الثورية ونضاله المتعدد الأوجه من أجل القضية الفلسطينية , فرصة أن أقدّم في كتاب تجربته النضالية وفي صيغة حوارات مسجلة معه, وبعدما ابتلي لبنان بالاحتراب الأهلي أو بما يحوز اعتبارها صراعات الآخرين على لبنان واستعمال الوطن كساحة للمتصارعين بالمال والسلاح والذمم المنقوصة والضمائر المفقودة, بات من غير المتيسر إصدار الكتاب في لبنان ثم غادرت لبنان مع المغادرين الذين يرفضون تلويث قناعاتهم بالطروحات الميليشاوية واستقر المقام بي في لندن لعقدين من الزمن, وفي العام 1983 وجدت من الضروري طبع كمية محدودة من الكتاب وتحت عنوان " حكيم الثورة " . وها هي الطبعة الجديدة تصدرها مع مطلع العام 2009 " دار النهار " ضمن سلسلة أعمالي الشاملة . وسيكون الكتاب في المكتبات وفي " معرض الكتاب " في بيروت وسائر المعارض في العالم العربي وأوروبا .ولقد أوضحت في الصفحات الأولى من الطبعة الجديدة قصة الكتاب أرويها هنا على النحو الآتي :
ذات يوم شتاء 1975 وكانت الغيوم الداكنة بدأت تملأ سماء العلاقات اللبنانية – الفلسطينية اتصلت بالزميل بسام أبو شريف رئيس تحرير مجلة " الهدف " التي تنطلق باسم " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أطلب منه أن نلتقي .
ولقد اعتدنا أن نتصل دائماً بالزميل بسام لنستفسر عن نبأ أو نتحقق من حادثة أو نسمع الرأي في تحليل يتناول من قريب أو من بعيد " الجبهة الشعبية " .
وعندما التقينا في مكتبه الكائن في الطبقة الأولى من إحدى بنايات " حي المزرعة " في بيروت افترض للوهلة الأولى أن الغرض من اللقاء هو الاستفسار عن أمر أو مناقشة وجهة نظر ما . لكنني عندما طرحت عليه الفكرة التي جئت من أجلها ارتسمت على محياه المشاعر الناشئة عن الاستفهام والتعجب ثم قال بعد انتهاء جلسة استغرقت ساعة : هل أنت مسافر هذه الأيام ؟
وأجبته بأن طبيعة عملي في صحيفة " النهار " تتطلب أن أكون دائماً على سفر ولكنني على استعداد لتجميد السفر لمدة ثلاثة أشهر خصوصاً أنني منذ سنوات طويلة لم أحصل على إجازة وفي خلال الأِشهر الثلاثة يمكنني إنجاز العمل التأليفي الذي أتطلع إليه .
واتفقنا أ، يصلني الرد في غضون أسبوعين وودعت الزميل بسام. وبعد يومين سافرت إلى القاهرة في مهمة صحيفة كعادتي في السفر مرة أو مرتين أو ثلاث مرات في الشهر, وبعد وصولي إلى القاهرة ببضع ساعات علمت من اتصال هاتفي أجريته مع عائلتي من القاهرة أن الزميل بسام اتصل لإبلاغي الموافقة على الفكرة وأنه يرى أن يبدأ التنفيذ بعد أسبوع . وعدت إلى بيروت لأبدأ .
كانت الفكرة التي طرحتها على الزميل بسام تتلخص في الآتي :
هنالك أشخاص تاريخيون قد يكون من الصعب عليهم كتابة مذكراتهم وهم في خضم العمل النضالي . كذلك إنه من الصعب على هؤلاء أيضاً أن يتقاعدوا في سن معينة ويتفرغوا لكتابة المذكرات مثل غيرهم من زعماء السياسة ورجال الفكر والفن والمسرح وأصحاب التجارب عموماً .
وفي ضوء ذلك , ما الذي يمنع من أن يبادر كاتب وينوب عن هؤلاء في كتابة ذكريات تجمع بين السيرة الذاتية والمذكرات معاً وبالتحديد ما هو متاح من هذه المذكرات .
والدكتور جورج حبش هو واحد من هؤلاء . وبما أن أحداً منكم ككتاب وصحافيين ملتزمين ومقاتلين لن تقدموا على مثل هذا الأمر , وإذا أقدمتم فإنكم ستكتبون بالحد الأقصى من التحفظ باللغة الحزبية والملتزمة , فما رأيك لو تقترح على الدكتور حبش أن أقوم بالمهمة فأجري جلسات معه أسأله ويجيب وبعد ذلك نقوم بتفريغ هذه الجلسات ونعدها للنشر في كتاب .
وسألني الزميل بسام أن أضع الأسئلة التي سأطرحها على الدكتور حبش في حال موافقته على الفكرة لأننا بذلك نساعد على توضيح برنامج الجلسات .
وقلت له : تطلب مني أسئلة ؟ الحقيقة أنني لا أدري نوع الأسئلة التي يمكن أضعها . إنها عن كل مراحل حياة الدكتور حبش. تصور أنني صحافي منذ سبع عشرة سنة . ومنذ سنوات ونحن نكتب عن " الجبهة الشعبية " وعن الدكتور حبش.نكتب عن العمليات الفدائية التي تحدث وعن الانقسامات التي تكاثرت داخل"الجبهة الشعبية" وداخل "حركة القوميين العرب". نكتب عن ليلى خالد التي خطفت الطائرة نتيجة إيمان بمبادئ وضعها الدكتور حبش. ونكتب عن الأزمات التي حدثت في العالم العربي وكان الدكتور حبش شكل أو آخر طرفا فيها. اننا نكتب عن كل ذلك ونحرر الأخبار المتعلقة بنشاطات"الجبهة الشعبية" وأمينها العام وكننا لا نعرف تماما قصة جورج حبش ولا نعرف دوافع الانقسامات. وقبل ذلك لا نعرف كيف اجتمع الفلسطيني مع الأردني مع الكويتي مع السوري في الجامعة الأمريكية في بيروت. وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
وإذا كنا نحن الذين نعمل في حقل الصحافة والكتابة لا نعرف تماما فما بالك بالقراء العاديين الذين ينتظرون منا أن نكتب لكي يقرأ الواحد منهم ما لا يعرفه.
وأضفتُ مخاطبا الزميل بسَّام أبو شريف: إنني لن أترك سؤالا يمكن أن يخطر في البال إلا وأطرحه على الدكتور جورج حبش. وله أن يجيب أو لا يجيب. ويهمّني في الوقت نفسه التأكيد على الهدف من الأسئلة لن يكون الإحراج ولا التعجيز وإنما استزادة المعرفة.
وبعدما نقل الزميل بسام إلى الدكتور جورج حبش فكرتي , وافترض أنه كزميل وككاتب زكّاها , علماً بأن الدكتور حبش لا يساير في أمر غير مقتنع به , اتصل لإبلاغي الموافقة , وعندما اتصل بي كنت مسافراً .
وبعدما عدت ُ وتبلغتُ موافقة الدكتور جورج حبش على الفكرة التي طرحتها بدأت أستعد للتنفيذ معتزاً بتقييم لي سمعه الزميل بسام من الدكتور جورج حبش ونقله لي الموافقة على الفكرة .
كانت " عدة "العمل عبارة عن آلة تسجيل وبضع شرائط وبطاريات وضعتها كلها في حقيبة . وعلى رغم أنني من سكان بيروت منذ خمس سنوات وعشرين سنة (هذا حتى ذلك العام 1975 ) إلا أنني لم أتمكن من تحديد المكان الذي نقلني إليه في منتصف ليالي الشتاء الحزينة أحد أعضاء " الجبهة الشعبية " الذي تم إيفاده إلى مكتب " الجبهة الشعبية " حيث كنت أنتظر ليرافقني إلى المكان الذي سأجري فيه المقابلة الأولى مع الدكتور حبش . لقد سلك الأخ الذي رافقني طرقات وجدت مع الدوران نفسي لا أعرف أين هي بالتحديد .
وخلال نصف ساعة كنت في شقة من إحدى بنايات أطرح على الدكتور حبش السؤال تلو السؤال وكنا نواجه موجه البرد القارس بكاسات الشاي التي يأتينا بها أحد عناصر حماية الدكتور حبش .
تلك الليلة عظيمة . فلمرة الأولى أسمع الدكتور جورج حبش , وكان في تلك الأيام شاغل الدنيا وصحافة العالم بسبب جو الذعر الذي تركته العمليات الفدائية التي ارتبطت باسمه وباسم المخطط الدكتور وديع حداد زميله في الدراسة والعمل الثوري - يروي قصة حياته .
ولقد أستني رقة هذا القائد التميز وتواضعه والدقة المتناهية في التعبير .
وفي اليوم التالي اتصلت بالزميل بسام أحاول منه معرفة المكان الذي جرت فيه مقابلتي مع الدكتور حبش . وقال لي إنها جرت في الشقة التي يسكنها عائلته وهي تبعد ثلاث دقائق بالسيارة من مكاتب مجلة " الهدف " وقلت له :
لقد ظننت أنها جرت خارج بيروت لأن مرافقي سلك طرقات كثيرة واستغرقت الرحلة نصف ساعة .
وأجابني : تلك هي " بيروقراطية الثوريين " وتلك هي الطقوس الأمنية المتبعة .
وتكررت بعد ذلك اللقاءات إنما بشكل غير مبرمج , ومن دون تحديد مواعيد. الذي كان يحدث هو أنه لمجرد أن يتوافر لدى الدكتور حبش يتصلون بي فأتوجه للقائه ومعي الحقيبة التي في داخلها آلة التسجيل والأشرطة والبطاريات . وكثيراً ما كانت اللقاءات تلغى قبل دقائق من الانعقاد لأن الدكتور حبش سافر فجأة إلى إحدى الدول العربية أو إحدى دول أوروبا الشرقية .
وفي ضوء ذلك فإن تسجيل اللقاءات استغرق بضع ساعات خلال بضعة أشهر .
وفي كل جلسة كان الدكتور حبش يزداد تألقاً ولمعاناً ويمعن في التواضع وفي التعبير بالكثير من الدقة إلى درجة أنه تمنى أكثر من مرة حدف بعض العبارات لأنه شعر أن فيها ما يمكن أن يخدش مشاعر رفاقه الذين انقسموا أو أحدثوا تجمعات ضده .
وكانت الأماكن التي تمت فيها المقابلات مختلفة . ولم يحدث أ، التقينا في مكان واحد مرتين اللقاء الأول في بيت الدكتور جورج حبش واللقاءات الأخرى في بعض مكاتب " الجبهة الشعبية " في " حي المزرعة " وحي الفاكهاني " . وكل مكتب له نكهته ويتميز عن الآخر .
وأعتقد أن أحد اللقاءات تم داخل المخيم . وكلها تمت ليلاً . وعندما وصلنا في التسجيل إلى مراحل متقدمة كان الوضع في بيروت بدأ يتوتر . ثم اندلعت الشرارة التي أحرقت مهابة الوطن والقضية والمخيمات وعنفوان المناضلين .
ولم يعد من الممكن أن نواصل التسجيل ..هذا مع الأخذ في الاعتبار أنه لو كتب للقاءات أن تتجدد فإن الأسئلة فيها كانت ستدور حول أكثر اللحظات تفجعاً في حياة العمل الفلسطيني .
ومنذ ذلك الحين أي منذ العام 1967 وأنا قلق على الأوراق التي تحمل نتيجة الأحاديث الطويلة مع الدكتور حبش . وسبب قلقي ليس فقدان الأوراق حيث أن هنالك نسخة عنها محفوظة في خزانة مصرف في أوروبا وأن الأشرطة مقفل عليها داخل خزانة مصرف في بيروت كان من بين المصارف القليلة التي سلمت من السرقة والنهب . إن سبب قلقلي هو الخوف من أن أنشر قصة الدكتور جورج حبش وذكرياته كما سجلتها معه , في زمن لا يتمكن فيها الدكتور جورج من قراءتها, خصوصاً أنني عندما فكرت بالتسجيل والكتابة كان همي الأساسي أن يكون صاحب الذكريات أول الذين يقرأونها .
ويبقى سؤال : لماذا النشر الآن وما القصد من تعبير " حكيم الثورة " ؟
والجواب عن ذلك هو : إن قراءة قصة الدكتور جورج حبش ضرورية الآن بمثل ضرورتها قبل بضعة أعوام . وتراثه في الزمن الفلسطيني المفجع الراهن يمثل ما يمكن اعتباره الموقف الذي يمكن أن يحسم أشاء كثيرة . وفي الماضي كان الاسم الحركي للدكتور جورج حبش هو " الحكيم " وذلك على أساس أنه طبيب . أما الآن وفي ضوء ما يحدث للثورة الفلسطينية فن كلمة الحكيم مأخوذة من حكمة .






شهادة د فيصل دراج : جورج حبش مرآة المسؤولية والفضيلة


جورج حبش : مرآة المسؤولية والفضيلة
د. فيصل دراج
           الدكتور جورج حبش امتداد لجيل مجيد من المثقفين الفلسطينيين وتتويج نوعي له في آن واحد : امتداد لروحي الخالدي , الوطني الديمقراطي الذي أدرك , مبكراً, " حداثة" الحركة الصهيونية وتطلّع إلى الرد عليها بوسائل حديثة , وخليل السكاكيني, المربي النقدي والعروبي الحاسم , ونجيب نصّار, الصحفي المتمسك بالأرض والمدافع عن الهوية الوطنية ...والراحل الكبير تتويج لهذا كلّه, ربط بين " الحداثة" الفكرية وتشكيل الحزب السياسي, وأكّد عروبة الالتزام شرطاً للعمل الوطني, ولمس في الكفاح المسلح عنصراً يحتاجه المقهورون بلا مساومة..جسّد في هذا كله معنى المثقف الثوري, الذي ينقد الواقع ويوقظ " اللاجئين " ويقترح أفقاً تحررياً جديداً , ويكافح كي يجعل من الأفق حقيقة ملموسة , ولو بقدر .

والواضح في هذا رؤية العلاقة بين الهدف الوطني والوعي المعرفي الذي يقوده, أو إدراك العلاقة بين المعرفة والسياسة , ذلك أن القول كهدف يقضي بمعرفة السبل الحقيقية التي تقود إليه . ومع أن في هذا ما يستدعي الشعار الشهير" لا ثورة من دون نظرية ثورية " , فإن الأمر لم يكن كذلك تماماً عند جورج حبش , لأنه كان يسعى دائماً إلى تصحيح " النظرية " اعتماداً على معطيات الممارسة , ويعمل على إقامة علاقة متفاعلة بين النظرية والممارسة ,إذ الأولى تحتاج إلى ما يصلح وجوه السلب فيها, وإذ الثانية لوحدها عشوائية عمياء , تقول بشيء وتنتهي إلى غيره .

ولعل إبصار الدور الذي تلعبه الثقافة في حقل العمل السياسي , هو ما جعل د. حبش يحتفي بالثقافة والمثقفين, ويحاور الطرفين معاً بحثاً عن دور فاعل للثقافة . لم يكن موقفه شكلانياً, أقرب إلى "الروتين" والمجاملات , بل كان حقيقة راسخة عبّر عنها بسلوك صادق ميّزه عن غيره من العاملين في " المقاومة الفلسطينية " وأستطيع أن أذكر , كما غيري, حواره الهادئ الدوري الراحل سعد الله ونوس , حيث كان يسأل ويكثر من الأسئلة , ويكتفي بملاحظات قصيرة وصغيرة , لأنه كان يعتقد أن للمسرحي السوري دوراً في إنارة وتصويب الممارسات الفلسطينية.ولم يكن الأمر مختلفاً في حواره المتجدد مع الراحل عبد الرحمن منيف , الذي كان يتطرّق إلى وجوه مختلفة من واقع " المقاومة " . وكذلك الحال مع مثقفين آخرين , كان يبحث عنهم أو يسعون إليه .

لا تأتي أهمية اللقاء مع مثقفين معروفين من الفعل ذاته, بل من الدلالات الكثير المحيطة به : هناك أولاً ذلك التواضع الصادق, الذي جعل " الحكيم " يزور ونوس أيام مرضه, ويطلب مقابلة هذا المثقف أو ذاك , بعيداً عن أنماط من " القادة " يحوّلون "الاهتمام بالثقافة"  إلى مناسبة صحفية أو إلى فولكلور يثير السخرية . وهناك ثانياً الاعتراف الصامت بأن " المسؤول السياسي" لا يعرف كل شيء, وأنّ عليه أن يعرف , أن يلتمس هذه المعرفة لدى أهلها, وأن عليه أن يعرف  قبل التماسها, اهتمامات المثقفين وشواغلهم. وهناك ثالثاً ذلك الأمر المضمر القائم على الاعتراف المتبادل بين طرفين متمايزين, لكل منهما حقله وعمله واختصاصه ومنظوره, الذي لا يختزل إلى غيره  . ولعل هذا الاعتراف المتبادل بين المثقف والسياسي هو ما كان يجعل حوار د. جورج مع غيره مثمراً , فلا حوار بلا اعتراف ولا معرفة موضوعية إن لم تكن محصلة لأفكار الطرفين المتحاورين .

عرفت " المقاومة الفلسطينية " خلال فترة طويلة من حياتها , تلك الجملة الجاهزة القائلة بـ:علاقة المثقف بالسياسي أو بالسياسة . وكان المقصود بذلك ,غالباً, ضرورة "انضمام" المثقف إلى هذا التنظيم أو ذاك , كما لو كانت قيمة المثقف من " تحزّبه الشكلاني " , أو ضرورة " الوقوف" مع تنظيم ضد آخر , وذلك في صيغة تخلط بين " التحزّب " والعشائرية. لم يكن جورج حبش , الطبيب الذي درس في الجامعة الأمريكية , شغوفاً بالعشائرية والتحزّب الشكلاني , إنما كان شغوفاً بالحقيقة الفاعلة , حيث الأفكار المتعددة تبرهن أن الحقيقة نسبية , وأن الحقيقة النسبية , تختبر الواقع ويختبرها الواقع, ولا تصل إلى صيغة نهائية منجزة .
ولعل الربط بين الفكر والواقع هو الذي كان يدفع بجورج حبش , حتى أواخر أيامه إلى تقص الوقائع العملية ومحاولة تقويمها ونقدها وتطويرها. كما أن هذا الربط في أساس إيمانه بـ" العمل الثقافي الجماعي " الذي يوحّد بين المعرفة المتجددة وقضايا النضال الفلسطيني والعربي .

على الرغم من حياة حافلة مديدة , توزّعت على السياسية والتنظيم وتجديد الحزب والمعارضة والقبول والرفض , فإن في مسار حبش ما يردّ هذا إلى عالم القيم : السياسية قيمة ينبغي احترامها وممارستها بلا مراوغة , والثقافة قيمة إن استعملت أو بقيت قارة في بطون الكتب , والحزب قيمة لا يساوي " مسؤوله العام" بل مجموع أعضائه , والمثقف قيمة إنْ قبلت أفكاره أو رفضت , والزمن قيمة ينبغي استعمالها بشكل نظيف وشريف . والاعتراف بقيمة الزمن حرّضت " الحكيم " العجوز على الحلم بمركز أبحاث فلسطيني - عربي , أثمر في حياة الحكيم أو أثمر بعد رحيله . على الإنسان أن يتصرّف حراً بحياته ولا يدع حياته , تلك المتقلبة الماكرة , أن تتصرّف به . كان هذا شعار الدكتور جورج حبش , الذي رفض ضياع فلسطين حين كان طالباً , وتفرّغ للدفاع عن الوطن بعد إنجاز دراسته , واستمر في التزامه " الأبدي " إلى اللحظة الأخيرة .

لا راحة ولا ما يحيل إلى الصمت والتقاعد, ذلك أن " اللاجئ الفلسطيني " , الذي يهجس بالراحة , غير جدير بالراحة ولا بالانتساب إلى فلسطين .
صفتان لا ينساهما الذين تعرّفوا على د. حبش : التواضع الجميل الصادر عن روح كريمة وتربية نبيلة . هذا التواضع الذي يدفع العجوز المبتسم إلى استقبال زوّاره وتوديعهم باحترام كبير , وإلى الاستماع إلى كلامهم دون مقاطعة أو نصائح مفتعلة . رجل متواضع يبعث الحياة " بيده الخاملة " ويضع زائره في مناخ أليف, بعيداً عن التراتيبية وعن كل روح مشغولة بالإدّعاء وبالكلمات الكبيرة التي لا تقول شيئاً مفيداً. والصفة الثانية هي : قوة الأمل , فلا أفق لمقهور إن فقد أمله , وبعد كل أمل خائب أمل يعد بأيام مزهرة , وبعد كل "خروج" فسحة من الضوء تعلّم اللاجئ إمكانية السير بشكل جديد .
قائد أم إنسان ؟ إذا كانت النفوس الفقيرة تعتقد أن "القائد الكبير " قائد داخل العمل وخارجه .
فقد آثر جورج حبش أن يكون الإنسان الكبير الذي يمارس إنسانيته داخل العمل وخارجه قائد وإنسان في آن بل أنه قائد حقيقي لأنه يرسل الإنسان الذي فيه طليقاً , يضحك ويحاور ويتساءل ويحرّك " يداً خاملة" ويظل مبتسماً . والإنسان الذي يصير قائداً يعتكز على قدمه, والقائد الذي يسمو بالإنسان الذي فيه يمارس القيم النبيلة ويدعو إليها .

كان حبش تعبيراً عن عالم القيم , تعبيراً مخلصاً جمع بين الصدق والثقافة والدأب النزيه الذي يميّز قلة من البشر .

جورج حبش وجه من وجوه فلسطين , كما ينبغي أن تكون وكما تحب أن تكون, جمع بين القيادة والمبادرة وبين المحبة والفضيلة .

الخميس، 12 يناير 2012

شهادة الرئيس أحمد بنّ بّلّة: جورج حبش ضمير القضية الفلسطينية


                                  جورج حبش ضمير القضية الفلسطينية                    
                                                                                      الرئيسأحمد بنّ بّلّة *           

لم أكن أتخيل أني سأكتب يوما كلمة عن صديقي جورج حبش بمناسبة الذكرى الأولى لرحيله.  كان أصغر مني سنا" لكنه  كان شعلة من نشاط لا ينطفئ قارع الأحداث فصنعها و صال و جال في ميادين القضية الفلسطينية فملأ الدنيا و شغل الناس كأني به في مرضه الطويل لا زال مصرا" على الصراع، حتى مع الموت، قبل أن يمتطي صهوة جواده الأخير و يرحل.

 و لكن إلى أين يرحل؟ و هو ما زال بيننا كأنه في ذروة نضوجه السياسي حين جعل من القضية الفلسطينية حجر الأساس في النضال العربي.
من فلسطين إلى بيروت إلى دمشق مرورا بمختلف العواصم، عربية كانت أم أجنبية، صار جورج حبش علما" فلسطينيا" ترى فلسطين حين تراه و تسمعها حين تسمعه و تدرك كم هي عادلة قضيتها حين تدرك عمق مشاعره

 كان الوجه الأنصع لفلسطين و الرمز البارز لشعبها كان ثوريا" كاملا"، لم يضع يوما حياته الخاصة أو علاقاته الشخصية في ميزان نضاله السياسي.
خاصم كثيرا"واختلف عميقا" مع الآخرين و لكنه كان يخاصم بشرف و يختلف على سياسات لا يؤمن بصوابها و يرى  الخطر على القضية في تطبيقها.

لم يختلف يوما" سعيا" إلى موقف مزايد أو متمايز أو مكابر،  كان صادقا" مع الآخرين صدقه مع نفسه، وفيا" لمعايير إيمانه و توجهه الفلسطيني قبل أي توجه آخر. و في هذا كان يقدم نموذجا" فريدا" للقائد الفلسطيني الملتزم قضية شعبه الرافض للمساومة عليها من أجل مكسب سياسي طارئ. و في هذه النقطة بالذات كان جورج حبش مختلفا" عن الآخرين، لقد كان ضمير القضية الفلسطينية.

 لم نتقابل كثيرا" و لكننا تعارفنا قبل أن نلتقي، منذ سنوات النضال الأولى، هو من أجل فلسطين و أنا من أجل الجزائر.

بدأت أعرفه أكثر حين صرت سجينا" في وطني بعد انتصار الثورة، كنت أحس بأننا سجينان لقضية واحدة: تحرر الأمة من اجل تحرير فلسطين. لم تكن استقلالات الدول العربية إلا تعبيرا" هشا" عن مرحلة سياسية صارت وراءنا، أعلام و أناشيد وطنية و حكام، ولكن الاستقلال الحقيقي مازال بعيد المنال. التبعية الاقتصادية، و هي أخطر من السياسية، تجعلنا بيادق على رقعة واسعة، لا نعلم متى يجرفنا زلزال العولمة.

كنت و عبد الناصر متفقان على أن انتصار الثورة الجزائرية ليس إلا مرحلة لا بد من استكمالها بانتصار حركة التحرر الوطني في العالم العربي والعالم الثالث إجمالا. كنا نحث الخطى من أجل استكمال "عملية التحرير، و كانت فلسطين حاضرة في كل خطوة سياسية نقوم بها، من حركة عدم الانحياز إلى منظمة الوحدة الأفريقية إلى منظمة التضامن بين القارات الثلاث.

جورج حبش حينها لم يكن بعيدا" عن هذه الأحداث، كان نضاله السياسي، كقائد بارز في حركة القوميين العرب، يضعه في قلب الحدث، كان مواكبا لكل كبيرة و صغيرة في النضال التحرري العالمي، ينظر إلى حركة التاريخ من منظار القضية الفلسطينية. هذا الموقع جعله، في فترة من الفترات، يندفع نحو العمل الثوري برومانسية كبيرة أثارت إعجاب العالم و مخاوفه في آن خلفت آثار لا تمحى على القضية الفلسطينية.

و لكن جورج حبش في حركته تلك إنما كان مندفعا بإيمانه بعدالة قضيته وضرورة تحريرها من أسر السياسات العربية الرسمية والمساومات الدولية زمن الحرب الباردة، كان يحاول أن يخرج القضية الفلسطينية من سجنها العربي الرسمي كما من سجنها الدولي القائم على توازن القوى بين المعسكرين المتصارعين.

كنت، وأنا السجين حينها، أدرك أكثر من غيري، رغم اختلاف نظرتنا حول العديد من النقاط، حقيقة حركته، متفهما" لدوافعها بل و متعاطفا" معها إلى أبعد الحدود.

كان جورج حبش بالنسبة إلي القائد الثوري الذي يريد أن يطلق النسر الفلسطيني كي يحلق عاليا"فيراه العالم اجمع  و يعجب به و يطالب بحل عادل لقضيته.

ان شخصية جورج حبش، المناضل الفلسطيني و القومي والأممي تمثل وحدة" لا تنفصم. و هو بعد موته يبقى ماثلا" في أذهاننا على صورته تلك: يبذل المستحيل لإطلاق النسر الفلسطيني و تحليقه عاليا.
كم نفتقده اليوم و كم تفتقده القضية.

                                                 
  أحمد بن بله*:  أحمد بن بلّة (25 ديسمبر 1916 -)، أول رؤساء الجزائر بعد الاستقلال، من 29 سبتمبر 1962 إلى 19 يونيو 1965. هو أحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني في عام 1954     


            

شهادة أنيس الصايغ عن الحكيم د جورج حبش


شهادة أنيس الصايغ عن الحكيم د جورج حبش 


لا ضرورة أن تكون عضواً في حركة القوميين العرب منذ مطالع الخمسينات من القرن الماضي حتى تعرف عن كثب الدور الرائد للدكتور جورج حبش في تأسيس أول وأنجح تجمع قومي وحدوي يعتد نشاطه إلى أكثر من نصف أقطار الوطن العربي ويضم الآلاف من المثقفين وخريجي الجامعات ومن عناصر وقوى الشعب العامل وجماهير الأمة , ولا ضرورة لأن تكون عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ أواخر ستينات القرن المنصرم حتى تلمس جهد الدكتور جورج حبش وحرصه الشديد على تنظيم العمل الفدائي الفلسطيني وعلى تفعيله وعلى تجنيبه المخاطر والمزالق والتجاوزات التي عانى منها ذلك العمل وأوقعه في مطبّات وانتكاسات نالت من فاعليته وحدّت من آثاره .
ولا ضرورة لأن تكون زاملت جورج حبش وهو بعد على مقاعد الدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات حتى تتعرف على خصال ومناقب ومواهب تحلّى بها هذا الطالب وجسدتها تصرفاته وعلاقاته مع زملائه وأساتذته .
ولا ضرورة لأن تقرأ ما كتب من مقالات وتوجيهات وتستمع إلى ما ألقى من محاضرات وخطب في عشرات الأندية والمجالس والمناسبات حتى تطلع على فكره الواضح والصافي وعلى صحة استنتاجاته وموضوعية تحليلاته وسعة معلوماته وحدّة استشرافاته .
هذا هو جورج حبش . إنسان أوسع من فرد , وتأثيره أوسع من محيطه , من مكانه وزمانه المباشرين , إنه, بشخصه وفعله , أثر يمتد طويلاً في الزمانين الحاضر والمستقبل وفي عالمي الوطن وعبر حدود الوطن. تسطو العروبة على فلسطينيته مثلما تسطو الإنسانية على عروبته , لذلك امتزجت نضالاته الفلسطينية من أجل التحرير الناجز لكامل التراب الفلسطيني مع  نضالاته من أجل بناء الكيان الواحد الموحد . وكانت فلسطين " من البحر إلى النهر " جزءاً عضوياً من عروبة " من المحيط إلى الخليج " وكذلك أيضاً كانت لحمة النضال الفلسطيني الوطني والعربي القومي وجوهره مستمدين من القيم الإنسانية الأزلية , الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة والصدق والحق والخير .
ومن أجل بناء هذه القيم وصيانتها في الوطن العربي دعا إلى إقامة الكيان العربي الموحد , ومن وحي هذه القيم والتزاماً بها جاهد من أجل تحرير فلسطين وصد العدوان الصهيوني وإعادة شعبها المتطلع إلى منابته وبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية على امتداد الأرض الفلسطينية حسب حدودها الدولية المتعارف عليها دون أي اعتبار لقرارات دولية وإرادات أجنبية تحابي العدو الصهيوني وتحميه وتعينه وتسنده بالسلاح والمال وبالمواقف السياسية والدبلوماسية .
إذن فإن نضال جورج حبش من أجل تحرير فلسطين لم يكن في الحقيقة مسعى ثأرياً وانتقاماً عصيباً من عدو مغتصب للوطن. ولا كان إيمانه الوحدوي تزمتاً عنصرياً ولا انكماشاً منغلقاً من عالم مترابط الأجناس والحضارات والعطاءات .
بل كان الاثنان انعكاساً طبيعياً لتلك القيم الإنسانية والأبدية والعالمية التي اعتنقها نظرياً ومارسها عملياً , قيم الحق والخير والجمال والحرية والمساواة .
هذه عالمية جورج حبش التي كثيراً ما يخفيها عن أنظار الناس من مؤيدين له ومعارضين , صلابته وعناده في مقاومة الصهيونية والاستعمار والتجزئة والانعزالية والرجعية . فقد أدرك حبش أن كلاً من هذه الأصنام التي أعلن عليها الحرب منذ فتوته حتى وفاته , أي على مدى ستة عقود , إنما هي تتعارض مع كل القيم في أي زمان أو مكان وأنه في عمله السياسي , إنما يخدم قيماً إنسانية مطلقة لا يفرضها زمان ولا يستأثر بها مكان .
لقد أتيح لي أن أتعرف على جورج حبش ونحن على مقاعد الدراسة في الجامعة الأمريكية , وكان بحكم العمر يتقدم علي في الدراسة سنتين أو ثلاثاً . وكان بحكم التخصص بعيداً عن الصفوف التي أرتادها . فهو يدرس الطب وأنا أدرس العلوم السياسية والتاريخ . ولكن المسافة الأبعد في تجربتنا إنما كانت في المواقف السياسية والانتماءات الحزبية . فحينما كان حبش آنذاك يمر في أطوار إنشاء الجماعات السرية التي التقت فيما بعد بحركة القوميين العرب كنت عضواً في الحزب السوري القومي الاجتماعي وكنت أتسلم بعض المسؤوليات الحزبية في صفوف طلبة الجامعة . وهو الأمر الذي أدّى عملياً , إلى مواجهات سياسية وعقائدية وإلى مواقف متعارضة في التفاصيل والشكل وليس في الجوهر . فالمطالب التحررية والوحدوية وعداء الصهيونية و"اسرائيل" كانت واحدة . لكن محاولات السعي للحصول على أكبر نسبة من المقاعد في جمعية العروة الوثقى أو مجالس الطلبة لم تكن تفرّق بيننا فحسب بل كانت أحياناً تتحول إلى نزاعات بل وصراعات حادّة ومواجهات عنيفة .
وكانت "المعارك " الانتخابية بيننا , أي بين القوميين العرب والقوميين السوريين, هي العنصر الأقوى في المعارك الانتخابية بين صفوف طلبة الجامعة في تلك السنوات, أي النصف الأول من خمسينات القرن الماضي . إذ أن دعاة الاتجاهات الحزبية الأخرى ( أي الشيوعيين والإسلاميين والكتائبيين والبعثيين ) كانوا آنذاك أضعف من أن يشكلوا قوى يهابها القوميون العرب والسوريون .
في هذا الجو الطلابي المسيّس كان جورج حبش ينتصب بقامته الجسدية والعقلية عنصراً مهيباً وناشطاً متميزاً , يعترف له المعارضون كالمؤيدين بشخصية قوية وحجة دامغة ودماثة نادرة وصفاء واضحاً وصدقاً نقياً . وكان بالتالي يكسب المعارك الانتخابية كلها , جولة بعد أخرى , ولكنه كان أيضاً يكسب ثقة الطلبة وإعجابهم على الرغم من الاختلافات السياسية والحزبية ,وكان فوزه هذا أهم من فوزه بعدد لا بأس به من المقاعد في هذا المجلس أو تلك الجمعية .
إن ستين عاماً من التجارية السياسية لم تبدّل رأياً في جورج حبش بالنسبة إليّ والى أمثالي من زملائه في الدراسة . بقي جورج حبش بقامته الشامخة , عقلاً وفكراً وقلباً, وفي مراحل النضال الحزبي والسياسي والوطني والمطلبي , كما كان وهو بعد طالب يسعى لنيل شهادة الطب , لم يتغلب عليه أي من الضربات القاسية التي تعرّض لها في عقود نضاله الستة , تعرض لها كشخص أو كقائد, أو تعرض له فصيله أو حزبه, أو تعرض لها شعبه الفلسطيني وأمته العربية .
إنها عقود ستة تتوالى فيها الضربات القاسية الكفيلة بأن تحطم إنساناً عادياً : انقسامات في الحركة , وانشقاقات في الجبهة ( وما كان يرافق ذلك من حملات ظالمة وطعنات في الظهر ) التواءات وانحرافات في قيادة العمل السياسي الوطني والقومي , الفلسطيني والعربي, تخاذل رسمي تحاول أن تغطيها حملات الكبت والقمع والمنع ( وكان حبش وتنظيمه أول وأكثر من تعرّض لها في أكثر من قطر عربي ) هزائم عسكرية للأنظمة العربية أمام تعديات العدو "الاسرائيلي" وتوسّعه على أرض فلسطين كلها وفي أراض مجاورة , التفاف دولي حول " اسرائيل" ودعم لها في كل المجالات على حساب الفلسطينيين والعرب عموماً. وكأن المصائب لا تأتي فرادى . وكان على جورج حبش أن يقع ضحية عدوان آخر , صحي هذه المرة , فيقعده المرض طويلاً ويحدّ من حركته ونشاطه الجسدي . لكن حبش الجبار دائماً أمام الآخرين , بقي جباراً أمام نفسه أيضاً . قبل تحدي المرض ونازله بعناد وإن بحركة مشلولة , مثلما قبل تحدي الأنظمة والمنحرفين , وتحدى العدو الصهيوني والأمريكي , فصمد في مقارعتهم ولم يقو أي من الخصوم والأعداء على النيل من عزيمته أو التأثير في قراراته المنعكسة عن ثوابته .
هذه الصفحات وغيرها في جورج حبش هي التي تجعلنا نحن الذين عاصرناه وعرفناه نعتبره بدون مبالغة ولا محاباة , مدرسة حية متكاملة وليس مجرد فرد قاد جماعة والتزم بقيم وعاش مبادئه وأفكاره .
جورج حبش مدرسة للآلاف من بني جيله ومعاصريه , وبعضهم لم يعرفه شخصياً ولا انضوى تحت لواء فصيل يتزعمه ومدرسة لأجيال قادمة تتعرف على خلفية العمل الوطني والقومي ومناقبيه من خلال التعرف على سيرة مواطن فذ اسمه جورج حبش .
وإذ أعطي هذه الشهادة لرجل لم يكن يوماً بحاجة إلى شهادات الآخرين بل كان الآخرون يتمنون لو يحصلوا منه على شهادات في أعمالهم وتصرفاتهم وأفكارهم , أنتهز الفرصة وأستغل بعض جرأة لا أملكها دائماً , فأتطرق إلى موضوعين قد يحسبهم المرء خارج ما هو مطلوب في شهادة مثل هذه .
الموضوع الأول : هو مذكرات جورج حبش , هل يجوز لرجل عظيم ومساهم قوي في تاريخنا السياسي ونضاله المعاصر فلسطينياً وعربياً أن يرحل بعد أكثر من ثمانين عاماً قضى معظمه مخططاً ومبدعاً ومفكراً ورائداً دون أن يترك مذكراته ولا ذكرياته وبدون أن ينشر أوراقه ووثائقه ومراسلاته ومخططات مشاريعه ومسودات أفكاره ؟ وإن جاز لجورج حبش ذلك فلمن يبقى حق وواجب كتابة المذكرات ونشر السير الذاتية ؟
أنا أعرف ويعرف كثيرون غيري إن إشكالات حصلت في السنوات العشر الأخيرة حول أوراق حبش خصوصاً الحركة والجبهة عموماً , حول مكان وجودها وحفظها وحق الاستفادة منها ومسؤولية نشرها بعد تفحصها ودرسها واستنطاقها .
وهي إشكالات زاد في حساسيتها أنها أثيرت بين أشخاص أو جماعات قريبة وتتميز بعلاقات حميمة معه .
وأعرف ويعرف غيري أن الكثير من الأوراق والمحفوظات رأى النور في كتب صدرت مؤخراً أو هو في الطريق إلى أن يرى النور في كتب ومذكرات ستنشر في المستقبل غير البعيد .
غير أن هذا كله لا يبرر ولا يفسر ولا يعلل غياب كنز سياسي ونضالي وتاريخي وأدبي عنوانه " مذكرات جورج حبش " أو أي عنوان آخر يعطي المعنى حياة الرجل وتحت إشرافه , فإن مؤسسات ثقافية وطنية وقومية , فلسطينية وعربية , مدعوة هي أو إحداها أن تبادر إلى إجراء الاتصالات اللازمة مع أصحاب العلاقة المباشرة ( خاصة أسرة الراحل والقيّمين على بعض الأوراق والوثائق , وكلهم من رفاق حبش أو تلاميذه أو مريديه, ممن هم في الواقع أفراد في الأسرة بمعناها الوطني الواسع) . وذلك لإيجاد صيغ عملية تتناسب مع أهمية المذكرات وخطورة حياة حبش ليصار إلى دراسة الوثائق والأوراق وأعدادها للنشر في أفضل صورة وأقرب وقت وأكمل وجه .
وموضوع المذكرات يقودني إلى الموضوع الحرج الثاني , وهو علاقة حبش بوديع حداد, وقد نشأ جيلنا منذ أواخر الأربعينات ومطالع الخمسينات من القرن الماضي, ولمدة تقارب الثلاثين عاماً, على وجود ثنائية متراصة ومتكاملة وموحدة اسمها " الحكيمين" الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد .
درس الاثنان معاً . وتخرجاً معاً وعملا معاً وفكّرا وآمنا وخططا معاً .
وانتهجا سبيلا واحداً في دروب النضال حتى أصبحا شخصاً واحداً تقريباً على ما بين أي علمين مبدعين من اختلاف في الطبع أو في بعض مكونات الإنسان أي إنسان كانا في الواقع مثالاً يحتذى للشراكة الحقيقة , المخلصة والصادقة والمضحية والثابتة والمستقيمة والشفافة, بين رفيقين نذر كل منهما نفسه ( حياته ووقته وكفاءاته وسعادته وراحته وإمكاناته وقدراته وعلمه) من أجل قضية مشتركة واحدة .
إن الكتابة عن أي من " الحكيمين " لا تتم إلا من خلال ودرس الآخر .والوفاء لأي منهما لا يكمل إلا بالوفاء للآخر . والتعرف الصحيح علي أي منهما , تاريخياً وسيرة وفكرة وممارسة , لا يصح إلا بالتعرف على الوجه الآخر للورقة نفسها . أي " الحكيم " الآخر .
ولعل أهم وأبرز ما في ما يؤدي إليه هذا التعرف المزدوج هو اكتشاف أصالة كل من حبش وحداد وصدق معدنه وطيب نفسه وصفاء خلقه من خلال العلاقة بينهما بعد أن فرقت وجهات النظر بينهما في فترة من الزمن وجعلت كل منهما يسلك سبيلاً عملياً مستقلاً عن الآخر وإن تلازم السبيلان وتوازيا , من جهة وإن بقي الهدف العام والنهائي واحداً . وإذا كانت علاقة حبش بحداد أمثولة في الرفاقية بين القيادات لمدة طويلة من عملهما المشترك في الحركة والجبهة , فإن هذه الأمثولة هي نفسها في العلاقة بينهما بعد ان اختلفت المسالك العملية وتعددت دروب النضال وتباعدت التجارب والممارسات . ظل الرجلان بعد " الفراق" النسبي ما كانا عليه أيام المشاركة الموحدة . وعلى من يدرس وديع حداد في المستقبل أن يعي هذه المسألة ونحن ندرس هنا جورج حبش . وهل من فضيلة أرفع وأنقى للمناضل من فضيلة الإخلاص والوفاء وصدق التعامل والترفع عن الصغائر والحساسيات وتعدد وجهات النظر ؟ لننظر إلى  حبش من خلال تفحصنا لعلاقته مع حداد , ولننظر إلى حداد من خلال تفحصنا لعلاقته مع حبش , لنتعرف على كل منهما تعرفاً حقيقاً صافياً وصادقاً , ولنرى كلا منهما في أصدق صور شخصيته وأصالته ومشاعره وأحاسيسه ومثله .

أنيس الصايغ
 

الأربعاء، 11 يناير 2012

شهادة الرئيس علي ناصر محمد: " جورج حبش في مرآة الفكر وثقافة المقاومة ".


 " جورج حبش في مرآة الفكر وثقافة المقاومة "
نضال جورج حبش

بقلم / الرئيس علي ناصر محمد
ارتبط اسم الراحل المناضل الحكيم جورج حبش بقضايا قومية عديدة لن تكفي هذه الوريقات البسيطة أن توفيه حقه فيها لاسيما القضية المركزية في حياته وهاجسه الأول والأخير الذي تختزله بامتياز كلمة " فلسطين " ربما أكثر من القضية الفلسطينية فالوطن بالنسبة للحكيم خارطة ثابتة ومقدسة وليس رسماً بيانياً متذبذباً ولا تستطيع الألوان المختلفة والرؤى المتفاوتة والقيم غير الموحدة أو غير المتماسكة أن تغير فيه شيء وعلى هذا كان نضاله من أجل فلسطين نوعياً ومتفرداً لدرجة يمكن وصفه- إذا ما صحّ تطويع اللغة - بأنه نضال جورج حبش " , وهو بذلك جدير .

وذلك النهج الصارم في الحق الذي انتهجه الحكيم قد جعله يحظى باحترام وتقدير كافة حركات التحرر العربية والعالمية ولا شك أن أعداءه قد شهدوا له بالفضل والمكانة - في قرارة أنفسهم - قبل أصدقائه وكما يقال " والفضل ما شهدت به الأعداء " وإن كان الإعلام الغربي المنحاز لإسرائيل قد حاول تصوير الحكيم في السبعينات على أنه " إرهابي " , مع علمهم كيقيننا بأنه رمز من رموز النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم , ورجل من رجالات الذين تمتلكهم قضية وطنية فعاش طوال حياته مسكون بها وبهموم شعبه ومقاومته الوطنية ونضالاته المتعاظمة .

لقد كان لي شرف لقاء القائد الراحل المناضل الحكيم جورج حبش في وقت مبكر في مناسبات عديدة ومختلفة في " عدن " و " تعز " في اليمن , وفي " دمشق " و " عمان " و " بيروت" و" موسكو " وهو يتنقل بينها وبين بلدان أخرى سفيراً لقضية شعبه ولقضايا أمته العربية لا يألو جهداً في تقديم الغالي في سبيلها ولا يتسرب إلى نفسه اليأس واضعاً نصب عينيه الانتصار الذي كان بالنسبة له وشيكاً لا محالة منه , وهذا ما لمسته من شخصه دوماً حتى عندما التقيته آخر مرة قبل رحيله في دمشق متكئاً على عصاء وعلى جانبه رفيقة دربه وزوجته المناضلة أم ميساء .

كان للحكيم الراحل تجربة خاصة في اليمن فلطالما كان هاجسه الوحدة اليمنية وكان كثير السؤال عن الحزب الاشتراكي اليمني , فقد كان لحركة القوميين العرب التي أسّسها الحكيم في منتصف القرن الماضي دور مهم في دعم الثورة اليمنية في الجنوب حيث نجحت بالتحالف مع القوى الوطنية في تحرير الجنوب من الاحتلال البريطاني وقيام الدولة في اليمن الجنوبية والانتقال بالفكر من مرحلة التنظير إلى طور العمل والإنجاز وكان النجاح في الوصول إلى السلطة في عدن يمثل التجربة الأولى من هذا النوع لحركة القوميين العرب في الوطن العربي . وارتبط الراحل الحكيم بصداقات حميمية وعلاقات نضالية مع القادة في عدن , ومع كافة حركات التحرر اليمنية والعربية والعالمية وكان محط احترام وتقدير كل المناضلين لما عرف عنه من إخلاص للمبادئ التي آمن بها وضحى وناضل من أجلها .

وأعتقد أن جورج حبش ونحن في معرض تسجيل في مرآة الفكر وثقافة المقاومة أنه مدرسة في حد ذاته جديرة بأن تصدر شهادات عليا للكثيرين ممن نشطوا في مجال التنظير لحركات التحرر وللمقاومين في الساحة العربية من المحيط إلى الخليج , فقد تشكل الوعي السياسي المقاوم للراحل الحكيم في بواكير شبابه منذ شهد النكبة ووجد نفسه يشارك الكثير من أبناء وطنه محنة الطرد من أرضهم والتشرد بين الأوطان فامتاز الحكيم باستيعابه لهذه المحنة الكبرى على أنها نكبة لكل العرب وليس للفلسطينيين فحسب ومن هنا كان الأساس النظري عنده قومياً بامتياز ومنطلقاً من هذا المبدأ في صياغة إستراتيجية الصمود والتحدي وعلى ذلك تشكل حلم التحرير بوصفه حلم عربي ولأجل هذا الحلم عمل على بلورة أفكاره التحررية وثقافة المقاومة لتتجسد في البدء حركة القوميين العرب مروراً بنضالاته المتتابعة والمتعاظمة وصولاً إلى مشاركته بدور رئيس في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إثر نكسة 67 م التي شكلت منعطفاً خطيراً في الحياة النضالية للحكيم ولرفاقه في مختلف التيارات .
وبالرغم من وطأة التأثيرات السلبية للنكسة على العرب جميعاً إلا أنها كانت بالنسبة للحكيم الراحل عامل استنهاض للهمم ولمواصلة النضال ذلك لأنه امتاز طوال حياته النضالية بأنه الأقدر على استخلاص الدروس من الوقائع والأحداث وعلى رأسها الحروب .

وكان تأسيس حركة القوميين العرب معبراً عن وعي الحكيم بحجم العدو المحتل ومن يقف وراءه وإدراكه لمخططاته الإستراتيجية وسياساته التوسعية والتي لا تستهدف فلسطين بل تستهدف تجزئة الوطن العربي والحيلولة دون وصوله إلى توفير المعادل القانوني والسياسي المفقود والذي يتمثل في الدولة الواحدة , فكانت الحركة تنشد بناء المجتمع العربي الموحد والملتزم بقضاياه على أسس ومبادئ تحررية ضمن مشروع نهضوي قادر على تحقيق ذلك وصولاً إلى تحرير فلسطين بجيش عربي ينتمي إلى تاريخ وجغرافية واحدة وتربطه لغة وتراث وثقافة مشتركة ولذلك كان الحكيم الراحل يهتم بمسألة " الانتماء " ويعول عليها في التأسيس لمشروع نهضوي يعتمد على ركيزتي الثورة والحرية . وظل وفياً لهذا المشروع حتى بعد أن تهاوت الكثير من مقوماته العملية أو بعد أن شبّه لبعضهم أنها تهاوت .

وميزات الراحل الحكيم جورج حبش كثيرة ومتعددة وأكثر ما يمكن أن يستظهرها جميعاً هو عدم فصله بين قناعاته وأفكاره وبين ممارساته ونضاله على أرض الواقع وهذا ما يفسر اختلافه في الرؤى مع بعض القيادات والذي فيما بعد إلى انقسام الجبهة إلى أكثر من فصيل, ولعل ما ميز الفصيل الذي تزعمه منتخباً هو أنه استطاع أن يعكس فيه بصورة عملية القناعات التي كان يؤمن بها ومن بينها إيمانه بالعمل استناداً إلى حرية الجماهير وقيم الديمقراطية ولا ريب فهو القائل : ( لا يجوز أن يكون هناك شيء على حساب الديمقراطية . ولا يمكن للشعب أن يحقق أهدافه الكبرى إلا من خلال الحياة الديمقراطية ) . وهذا ما طبقه بنفسه في الحقبة الأخيرة حينما ترك قيادة الجبهة مفسحاً المجال أمام غيره لإثرائها بمكنوناتهم ومعطياتهم ليتفرغ لما هو أنسب لعمره ولتجربته الطويلة والذي لم يمض وقتاً طويلاً حتى كشف عنه بنتاج فكري غزير وبتأسيس " مركز الغد العربي للدراسات " الذي أراد أن يترجم من خلال فكرته الخاصة والمتعمقة لقضية وطنه فلسطين وأمته العربية بغية إحياء النواة الحقيقة للمشروع النهضوي العربي وفق قناعاته في الحرية والديمقراطية . 

شهادة محمود درويش :جورج حبش أيقونة فلسطين


جورج حبش أيقونة فلسطين

        الشاعر : محمود درويش

   
       للحكيم ...جورج حبش في المخيّلة الفلسطينية مكانة الأيقونة. حتى الذين اختلفوا معه على معالجة المعقّد بالبسيط والبداهة، أحبوه واحترموه، وأصيبوا في صحبته بعدوى الأمل من فرط ماهو صادق وشفاف، كان كثيراً مايحيل السؤال السياسي المركب إلى مسألة أخلاقية، وموعظة تبشيرية في فقه الحقوق والكرامة الوطنية. فلا شيء في نظره يبرر المساومة مع الظلم التاريخي الذي اقتلع شعباً من وطنه، وطالبه بتقديم البرهان على وجوده. كان علماني التفكير والسلوك.. وأصولياً وطنياً، بالمعنى المعاكس لما هو رائج الآن، في الدفاع عن هويته الوطنية التي لم يجد لها معنى خارج هويته القومية. ومتحصناً بثبات المبادئ وتحولات الوسائل، كان من اشد المدافعين عن التعددية والوحدة الوطنية، وحل الخلاف في الرأي بالحوار..بالحوار فقط. لا بالسلاح  والانشقاق.


      كانت بنيته الفكرية والأخلاقية الواضحة شديدة الإحكام والتماسك والعناد. تمتع بكاريزما قيادية نادرة تستعصي على التفكيك. وحين ينزل عن المنبر الملتهب بكلماته الناريّة، وتجلس إليه في خلوة حميمية تستشعر بأنك في رفقة أب حنون ٍ أو صديق حميم .. هادئ وشديد الدماثة.. يتقن الاستماع إليك، وكأنه يريد ان يعرف منك أكثر ما تريد أن تعرف منه . إنه تواضع الكبار الذين ينصتون إلى إيقاع الزمن المتغير.


      رحل في عام النكبة الستين، دون أن يشفى من جراح النكبة، لا لأنها كانت تراجيديا تاريخية كبرى.. بل لأنها مازالت مستمرة !



 


مقال :عن الحكيم في ذكراه... وتخليدا لتراثه الفكري / بقلم الأستاذ وسام الرفيدي


عن الحكيم في ذكراه... وتخليدا لتراثه الفكري / بقلم الأستاذ وسام الرفيدي

في ذكرى رحيل القائد الحكيم، جورج حبش، لن نعيد كلمات مكررة لاكها الخطاب اليومي وما فتيء، بغض النظر عن مدى إخلاصه لفحواها! إنما ودون مقدمات نكتب ونقول : نحافظ على تراثه الفكري فنكون أخلصنا لتاريخه الزاخر بالنضال الوطني والقومي.
والحفاظ على تراثه الفكري يحيل على دعوة وتوضيح، أما الدعوة فهي لتجديد المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة بناء أدواته التنظيمية بعدما أن انهار هذا المشروع بشطب الميثاق وإدارة الظهر للنضال المسلح ولفلسطين التاريخية، أو تقزم على أيدي القيادة الرسمية لدويلة" محمية"، وفي الحالتين غدى الناظم السياسي الوطني مفتقد.

 أما التوضيح فهو ان الحفاظ على تراث الحكيم الفكري خطوة ليس القصد بها استفادة الباحثين والدارسين لتاريخ الفكر العربي المعاصر، وخاصة لجهة تأريخ المدرسة القومية الماركسية التي جسدها الحكيم بتراثه الفكري ونضاله الوطني والقومي، وهي مهمة غاية في الأهمية، إلا انه بالأساس"أي الحفاظ" يهدف إلى تشكيل قاعدة فكرية- تنظيمية لتجديد المشروع الوطني وإعادة بناء أدواته التنظيمية بعامة، وإعادة بناء اليسار الفلسطيني بخاصة، فهي، تاليا، مهمة نضالية بالأساس أكثر منها أكاديمية، فلسنا، نحن الذين ناضلنا بالاستناد لهذا التراث، بالنهاية فلسنا مثقفي أرشيف أو مكتبات بقدر ما حملنا ولا زلنا نحمل الهم المزدوج: هم الوطن المغتصب، وهم الكادحين الفقراء.

فأين يكمن ما نعتقده تراثا فكريا ثوريا للحكيم؟

1- انه ذلك الدور الريادي الذي لعبه الحكيم أولا ، عبر تنظيم القوميين العرب بداية ثم عبر تأسيس الجبهة الشعبية مع الفرق الأول، بإيجاد ذلك التزاوج بين بين الفكر الماركسي والفكر القومي.
استنادا لموقف ستاليني تقليدي تبلور في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي فقد أهالت الأحزاب الشيوعية التراب على مطمح الشعوب العربية بالوحدة القومية للشعوب العربية فلم تملك برنامجا واضحا، ولا سعت لبناء هيكل تنظيمي واضح يعكس أي اهتمام بالمسالة القومية، فبدت تلك الأحزاب وكأنها غارقة بقطرية برجوازية رسم معالمها اتفاق سايكس- بيكو الاستعماري وتم التعامل معه كقدر لا فكاك منه.

 بالمقابل فعدائية الفكر القومي للماركسية والشيوعية، دون إغفال الموقف الشيوعي المؤيد لتقسيم فلسطين في التسبب بتعزز هذا العداء، من جهة، ومن جهة ثانية، غياب الموقف الطبقي الثوري عن الفكر القومي عموما، وتسلل نزعات قومية شوفينية في هذا الفكر، كل ذلك خلق شرخا بين الفكريين، وصل درجة العدائية في لحظات فارقة.
والحكيم، بالاستناد للفكر القومي الذي تسلح به، في الخمسينيات والستينيات، وإخلاصه الوجداني للمسألة القومية المتمثلة بمشروع الوحدة العربية، وتحليله لمسار تجربة هذا الفكر في الممارسة السياسية العربية وصل لقناعة سرعان ما دعى لتجسيدها وهي المزاوجة بين المحتوى التقدمي للفكر القومي، وهو حصراً حل المسألة القومية، عبر مشروع النهوض العربي وبناء دولة الوحدة العربية، والانحياز للفكر الثوري الماركسي وهدفه ببناء الاشتراكية.
لا نبالغ بالقول ان الحكيم وبتجربته وتراثه الفكري، وفي هذا الصدد تحديدا، قد عمل على تأسيس مدرسة في الفكر العربي المعاصر عنوانها المدرسة القومية الماركسية كان لها تأثيرها السياسي ليس على مستوى الفكر العربي فحسب بل وعلى مستوى الممارسة السياسية والكفاحية لفصائل العمل القومي واليساري على مستوى المنطقة العربي بالعموم.
 فبتأثيرات تلك المدرسة، وعبر التحاور الرفاقيّن تغيرت برامج وتوجهات شيوعية كتوجهات الحزب الشيوعي اللبناني مثلا، وتأسست فصائل قومية ماركسية على امتداد الوطن العربي من المغرب حتى عُمان.

2- وباستثناء التجربة المحدودة للشيوعيين السودانيين، والعراقيين والجزائريين كأفراد لا كأحزاب، كان للشيوعيين العرب في طوال التاريخ الحديث والمعاصر موقفا نقديا، وصل بعض الأحيان عبر التعبئة لمستوى العدائية، تجاه امتشاق الماركسيين للسلاح.
 ليس هذا بطبيعة الحال انتقاصا من النضالات والتضحيات البطولية لعشرات الآلاف من الشيوعيين في النضال ضد الأنظمة العميلة والامبريالية، ولكنه رؤية نقدية لطابع النضال الشيوعي العربي عبر عقود الذي انطبع بطابع النضال الجماهيري لا السياسي المسلح في ظروف كانت فيها الجماهير متعطشة لحمل السلاح ومقاومة أعدائها الطبقيين والقوميين.

ويبدو أن النزوع الثوري للفصائل الماركسية، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية، لامتشاق السلاح هو ما حدا بالأدبيات السياسية لإطلاق اسم اليسار الجديد على تلك الفصائل تمييزا لها عن الفصائل الشيوعية التقليدية في الساحة العربي. وإذا كان من الصحيح ان بعض تلك الفصائل، منها الجبهة الشعبية في بداياتها، قد تعاملت بقداسة مثالية مع العمل المسلح، إلا ان ميزتها أنها تمكنت عبر تجربتها، من المزاوجة بين مختلف أشكال النضال مع إبقاء العمل المسلح في موقع الريادة منها.
3- لم تكن الجماهير لتجانب الصواب عندما كانت تتندر على الشيوعيين العرب بأنهم يرفعون مظلاتهم ان أمطرت في موسكو!!! فحس الجماهير العفوي، والناضج معا، اكتشف أن التبعية للموقف السوفيتي كانت سمة بارزة ولافتة في السلوك السياسي للشيوعيين العرب.
 هنا بالذات تتجلى جرأة الحكيم والصف القيادي للجبهة الشعبية وبرنامجها المعروف: موافقة الأصدقاء السوفييت على الاعتراف "بإسرائيل" وحقها بالوجود لا يعني موافقتنا بل رفضنا لذلك الموقف، فأي موقف في العالم لا يمكن ان يكون بديلا عن رؤيتنا وقناعتنا بحقوقنا والوطنية في أرضنا.
لم يعرف الحكيم مساومة على هذا الصعيد، بل ذهب به الحد حد التعليق على بريسترويكا غورباتشوف آنذاك ان خاطب السوفييت علانية(( تعيدون النظر بكل شيء فأعيدوا النظر بموقفكم من تقسيم فلسطين واعترافكم بالكيان الصهيوني)). وقد كان لهذا الموقف النقدي من موقف السوفييت تأثيره على العديد من فصائل العمل اليساري العربي التي أعادت هي الأخرى موقفها وأعادت العلاقة مع السوفييت كما كان ينبغي أن تكون وكما أرستها الجبهة الشعبية من حيث الجوهر(( تحالف ونقد لا تبعية ولا انصياع!)).

4- ولعل الملمح الأخير في تراث الحكيم، هو ذلك العداء الذي لا يقبل القسمة على اثنين للمشروع الصهيوني الكولونيالي في فلسطين، والتمسك بفلسطين التاريخية من جهة، وبالحل الثوري للمسألة الفلسطينية من جهة ثانية((دولة فلسطين الديمقراطية كجزء من مجتمع عربي اشتراكي موحد))، دولة لا مكان فيها للمشروع الصهيوني ولا للحركة الصهيونية وكيانها، وان كانت تتسع لليهود بخصوصيتهم الدينية واللغوية.

 وهذا الموقف الفيصل هو ما يضع الحد الفاصل بين موقف الهرولة في الفكر السياسي الفلسطيني من كامل التراب والتحرير، ثم دولة على أي بقعة، ثم دولتين وصولا للحكم الإداري ودولة المحميات المعزولة، وبين الموقف التاريخي المتمسك بتجليات المربع الأول للصراع: ارض محتلة يجب تحريرها أولا وقبل كل شيء بحيث تكون كل الجهود لمعركة التحرير لا للصفقات التي اثبت التاريخ الفلسطيني أنها لا تورث إلا المزيد من التنازل منذ العام 1974 عام شعار السلطة الوطنية وحتى العام 1993 عام أوسلو!.